
سمية النور دهب
لم تعد الأزمة السودانية محصورة في صراع مسلح على السلطة، ولا يمكن اختزالها في مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل باتت تعبيرًا واضحًا عن اختطاف مؤسسات الدولة لصالح مشروع أيديولوجي أعيد إنتاجه تحت غطاء الحرب. فالمشهد الراهن يكشف بوضوح أن القيادة العسكرية لم تنفصل يومًا عن التيار الإسلاموي، بل ظلت مرتبطة به ارتباطًا وثيقًا يقوم على تبادل المصالح والتشابك البنيوي داخل مفاصل الحكم.
إن طريقة إدارة الحرب، وخطابها التعبوي، وطبيعة العداء الممنهج تجاه القوى المدنية، كلها مؤشرات تؤكد أن الصراع جرى تأطيره بوصفه معركة وجود، لا نزاعًا سياسيًا قابلاً للحل. هذا الخطاب لا يخدم متطلبات الأمن القومي ولا وحدة الدولة، بقدر ما يعكس عودة كاملة لمنظومة فكرية اعتادت تحويل الدولة إلى أداة في يد الأيديولوجيا، وإعادة تعريف الوطنية وفق معيار الولاء لا الكفاءة.
لقد وجدت القيادة العسكرية في التيار الإسلاموي حليفًا جاهزًا يوفر الغطاء السياسي والتعبئة الأيديولوجية في ظل عزلة داخلية وضغوط خارجية متزايدة. وفي المقابل، أتاح هذا التحالف غير المعلن للإسلامويين فرصة العودة التدريجية إلى مركز القرار، مستفيدين من فوضى الحرب وتراجع المجال المدني. هذا التبادل لا يمكن وصفه بتحالف تكتيكي عابر، بل هو تعبير عن بنية سلطوية واحدة تتغذى من استمرار الصراع وتعمل على إطالة أمده.
وتكمن خطورة هذا الارتباط في أن المؤسسة العسكرية، حين ترتبط بمشروع أيديولوجي، تفقد شرط الحياد وتتحول من جهاز وطني جامع إلى طرف سياسي منحاز. وعند هذه النقطة، يصبح الحديث عن انتقال ديمقراطي أو تسوية عادلة مجرد شعارات فارغة، لأن أدوات القوة نفسها تخضع لمنطق الإقصاء لا لمنطق الدولة.
الأكثر إشكالًا أن الخطاب الرسمي ينكر هذا الواقع، ويواصل الترويج لفكرة “الجيش القومي المحايد”، في تناقض صارخ مع الممارسة اليومية. إن هذا الإنكار لا يهدف إلى طمأنة الرأي العام بقدر ما يسعى إلى إخفاء حقيقة الأزمة، وإعادة تدوير النفوذ القديم دون مساءلة أو تفكيك جذري.
إن استمرار تشابك السلاح مع الأيديولوجيا لا يهدد فقط فرص السلام، بل يقوّض أسس العدالة والمحاسبة، ويُبقي السودان رهينة لدورة مغلقة من العنف وإعادة إنتاج السلطة ذاتها. فالدول لا تُبنى بالحروب المؤدلجة، ولا تُدار عبر تحالفات سرّية، وإنما بتأسيس مؤسسات مهنية مستقلة، تخضع لإرادة مدنية منتخبة وتعمل لصالح الوطن لا أي مشروع فكري ضيق.
وعليه، فإن الخروج من المأزق الحالي لا يبدأ باتفاقات شكلية أو تسويات جزئية، بل بالاعتراف الصريح بأن أزمة السودان هي أزمة جيش مُؤدلج، لا أزمة توازن قوى فقط. ومن دون تفكيك هذا الارتباط البنيوي، ستظل الحرب مستمرة بأشكال مختلفة، وسيبقى حلم الدولة المدنية مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.




