رأي

السودان بين الدولة العنصرية وأزمة المواطنة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

كيف قادت النخبة المركزية والحروب المؤدلجة إلى تمزيق النسيج الوطني

العدل هو أساس الملك، فإذا غاب العدل انهار الملك ولو طال الزمن

العنصرية بوصفها بنية لا عارضًا

لا يمكن فهم الأزمة السودانية الراهنة بمعزل عن سؤال العنصرية بوصفها بنية مؤسسة للدولة، لا مجرد انحرافات اجتماعية أو مظاهر خطابية طارئة. فمنذ نشأة الدولة الحديثة، جرى بناء السلطة السياسية والاقتصادية والثقافية على أساس هرمي غير عادل، منح الامتياز لمجموعات جغرافية وثقافية محددة، وأقصى في المقابل قطاعات واسعة من المجتمع السوداني عن المشاركة العادلة في الحكم والثروة والهوية.

العنصرية في السودان لم تتخذ شكل قوانين فصل صريحة كما في تجارب أخرى، لكنها تجذرت عبر الدولة النخبوية المركزية القابضة، التي احتكرت القرار، وعرّفت الوطن وفق صورتها الذاتية، وأعادت إنتاج التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي جيلاً بعد جيل. ومع اندلاع الحروب المتكررة، تحولت هذه البنية إلى وقود للعنف، وإلى خطاب كراهية يبرر الإقصاء ويُشرعن القتل باسم الهوية.

 الدولة المركزية ونظام الامتيازات التاريخية

نشأت الدولة السودانية الحديثة على قاعدة مركزية خانقة، تمحور فيها الحكم حول العاصمة ومحيطها، لا بوصفه مركزًا إداريًا فحسب، بل باعتباره مركزًا ثقافيًا وعرقيًا وسياسيًا يُعرّف “السوداني النموذجي”. وبموازاة ذلك، جرى تصوير الأطراف – دارفور، كردفان، الشرق، الجنوب قبل الانفصال – كمجالات تابعة، تُستنزف مواردها دون أن تحظى بحقها في السلطة والتنمية.

هذا النموذج أفرز دولة لا ترى في مواطنيها متساوين، بل تُصنفهم ضمن درجات متفاوتة من القرب أو البعد عن “المركز”. وهو ما انعكس في توزيع الخدمات، فرص التعليم، التوظيف في الخدمة المدنية، وقيادة المؤسسات السيادية.

أخطر أنواع الظلم هو الظلم الذي يُقنَّن ويُمارس باسم الدولة

 التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي

التهميش في السودان ليس نتيجة فشل إداري، بل خيار سياسي ممنهج. فمناطق واسعة ظلت لعقود خارج خطط التنمية، تفتقر للبنية التحتية الأساسية، وتعاني من ضعف الخدمات الصحية والتعليمية، في الوقت الذي تُنقل فيه ثرواتها – زراعية، معدنية، حيوانية – إلى المركز دون مقابل عادل.

على الصعيد الاجتماعي، تراكم هذا التهميش في صورة صور نمطية جارحة، ربطت بين الانتماء الجغرافي أو الإثني وبين الدونية أو العنف أو التخلف، وهو ما أسهم في خلق فجوة نفسية عميقة بين مكونات المجتمع.

أما سياسيًا، فقد حُرم أبناء المناطق المهمشة من التمثيل الحقيقي في مراكز اتخاذ القرار، وأُعيد إنتاج نفس النخب في كل الحقب، مدنية كانت أم عسكرية، مما عزز الإحساس بالإقصاء واللاانتماء.

 الجيش بوصفه مرآة الدولة لا مؤسسة محايدة

من أبرز مظاهر العنصرية البنيوية في السودان طبيعة تكوين المؤسسة العسكرية، حيث تركزت القيادة العليا تاريخيًا في أيدي مجموعات تنحدر من مناطق بعينها، وهو ما جعل الجيش أقرب إلى تعبير عن الدولة النخبوية منه إلى مؤسسة قومية جامعة.

غياب التوازن الجغرافي والإثني داخل القيادة العسكرية لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل ساهم في تشكيل عقيدة عسكرية ترى في بعض المواطنين “تهديدًا أمنيًا” لا شركاء في الوطن، وهو ما انعكس في طريقة إدارة الحروب الداخلية، وفي استسهال استخدام العنف المفرط ضد مجتمعات محددة.

حين لا يكون الجيش ابنًا لكل الوطن، يصبح الوطن ضحية للجيش

 الاستعلاء الإسلاموعروبي والاستعلاء الثقافي

إلى جانب الاستعلاء الجغرافي، شهد السودان استعلاءً ثقافيًا قائمًا على الهوية الإسلاموعروبية بوصفها الهوية الوحيدة الشرعية للدولة. هذا الخطاب لم يعترف بالتعدد اللغوي والثقافي والإثني، بل سعى إلى صهر الجميع قسرًا في نموذج أحادي، ومن رفض أو اختلف وُصم بالتخلف أو التمرد.

جرى استخدام الدين والثقافة كأدوات سياسية لتبرير السيطرة، وتحويل التنوع من مصدر ثراء إلى مصدر تهديد. ومع الزمن، تحوّل هذا الخطاب إلى أحد أهم محركات الصراع، خصوصًا حين تراجع بريق الشعارات الدينية، ليُستبدل بخطاب عنصري مباشر يستهدف الهويات.

الحروب وخطاب الكراهية

لم تكن الحروب في السودان حروبًا بين جيوش نظامية فحسب، بل كانت – في جوهرها – حروبًا على تعريف الوطن ومن يملك حق تمثيله. وفي هذا السياق، لعب خطاب الكراهية دورًا مركزيًا في تعبئة المجتمعات ضد بعضها البعض، وتصوير الصراع بوصفه مواجهة بين “أبناء الوطن” و”الغرباء”.

وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ساهمت في تضخيم هذا الخطاب، وتحويله إلى ممارسة يومية، تُجرد مجموعات كاملة من إنسانيتها، وتبرر العنف ضدها. الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لم يعد هامشيًا، بل تسلل إلى المنابر الرسمية، ليصبح جزءًا من السردية السياسية.

الكراهية حين تُصبح خطاب دولة، تتحول إلى سلاح دمار شامل

 الانقلابات العسكرية والعنصرية السياسية

شهد السودان عددًا كبيرًا من الانقلابات العسكرية، معظمها كان تعبيرًا عن صراع داخل النخبة نفسها. غير أن التاريخ السياسي السوداني عرف انقلابًا واحدًا يمكن وصفه – في القاموس السياسي – بالانقلاب العنصري الصريح، إذ ارتبط بانتماء جغرافي وإثني محدد، وكشف بوضوح عن هشاشة فكرة القومية داخل المؤسسة العسكرية، وعن تغليب الانتماء الضيق على الانتماء الوطني.

هذا الحدث لم يكن معزولًا، بل كان مؤشرًا مبكرًا على عمق الأزمة، وعلى قابلية الدولة للانقسام حين تُبنى السلطة على أسس غير عادلة.

 حرب 15 أبريل والاصطفاف العنصري

مثّلت حرب 15 أبريل ذروة انفجار التناقضات التاريخية في الدولة السودانية. فقد كشفت الحرب عن اصطفافات عنصرية واسعة، انحازت فيها قطاعات من النخبة المرتبطة بدولة الامتيازات التاريخية إلى خطاب الإقصاء والتجريد من الهوية، وسعت إلى إعادة تعريف الوطنية على أساس عرقي وثقافي ضيق.

لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى ساحة لإعادة إنتاج خطاب الكراهية، وتصفية حسابات تاريخية، وإقصاء كل من لا ينسجم مع تصور الدولة المركزية عن نفسها.

الوطن الذي يُختزل في جماعة، يفقد حقه في البقاء وطنًا

 نحو عقد اجتماعي جديد

إن معالجة العنصرية في السودان لا يمكن أن تتم عبر خطابات إنشائية أو تسويات سطحية، بل تتطلب إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، قوامها المواطنة المتساوية، والاعتراف الصريح بالتعدد، وتفكيك بنية الامتيازات التاريخية.

ويبدأ ذلك بإصلاح جذري للمؤسسات السيادية، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، لتكون معبّرة عن كل السودانيين، وبإعادة توزيع السلطة والثروة، وبناء خطاب ثقافي جديد يرى في التنوع مصدر قوة لا تهديد.

 ما بعد العنصرية… أو لا دولة

إن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في دولة عنصرية مقنّعة، تُدار بالحروب وخطاب الكراهية، أو الانتقال إلى دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية. ولا خيار ثالث بينهما.

فبغير تفكيك الدولة النخبوية، وإنهاء الاستعلاء الثقافي، ومواجهة العنصرية بشجاعة فكرية وسياسية، سيظل الوطن يدور في حلقة مفرغة من العنف والانقسام، مهما تبدلت الوجوه والشعارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!