
سمية النور دهب
لم تعد شكاوى سلطة بورتسودان إلى الخارج حدثاً استثنائياً، بل صارت سلوكاً سياسياً متكرراً يعكس عمق الأزمة التي تعيشها هذه السلطة، وعجزها عن مواجهة استحقاقات الداخل. فكلما اشتد الخناق الدولي، وكلما اقتربت الضغوط من جوهر المشكلة—أي الحرب نفسها ومن أشعلها—اندفعت السلطة إلى الخارج تحمل روايات متهافتة، وتبحث عن خصومات إقليمية مصطنعة لعلها تُخفي بها مسؤوليتها الأصلية.
الشكوى الجديدة التي رفعتها سلطة بورتسودان ضد إثيوبيا والإمارات ليست سوى حلقة أخرى في هذا المسلسل. فقبلها، تقدّمت بشكوى منفصلة ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، انتهت سريعاً إلى الرفض شكلاً ومضموناً داخل مجلس الأمن، لافتقارها لأي حوامل قانونية أو قرائن موضوعية. لم يكن الرفض تقنياً فحسب، بل كان بمثابة رسالة سياسية واضحة: المجتمع الدولي لا يتعامل مع الروايات الانفعالية، ولا يمنح شرعية مجانية لسلطة مأزومة.
الأخطر من مضمون الشكاوى هو السياق الذي تُطرح فيه. فسلطة بورتسودان لا تتحرك بدافع حماية السيادة، بل بدافع الهروب من استحقاق السلام. إنها سلطة أشعلت الحرب عمداً لإجهاض ثورة شعبية كانت ماضية في تفكيك دولة الإسلامويين وبناء دولة وطنية مستقلة. وحين فشلت في تحقيق نصر عسكري، لجأت إلى تعطيل كل مبادرات السلام، ثم إلى تصدير الأزمة خارجياً، أملاً في كسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقها.
إن الحديث عن “تهديدات خارجية” يصبح بلا معنى حين تصدر عن سلطة فاقدة للشرعية السياسية، بل وللأهلية الأخلاقية. كيف لمن قصف مدنه، وشرّد شعبه، وفتح البلاد أمام الميليشيات والمرتزقة، أن يتحدث عن حماية الأمن القومي؟ وأي مصداقية تُرجى من سلطة جيشها مختطف من جماعة أيديولوجية لا تؤمن بالدولة ولا بالمواطنة؟
تبدو هذه التحركات، في جوهرها، محاولة يائسة لكسر العزلة الدولية المتزايدة، وللتهرّب من ضغط الرباعية الدولية الساعي بجدية إلى إنهاء الحرب وفتح مسار سياسي حقيقي. لكن الواقع يقول إن المجتمع الدولي بات أكثر وعياً بطبيعة الصراع، وأكثر إدراكاً لمن يعرقل السلام ومن يستثمر في استمرار النزيف.
إن إنقاذ السودان لا يمر عبر شكاوى زائفة ولا خصومات إقليمية، بل عبر تسمية الأشياء بأسمائها: هذه حرب أشعلها العسكر لإجهاض الثورة، ولن تنتهي إلا بإنهاء هيمنتهم، ومحاسبة المسؤولين عنها، وفتح الطريق أمام سلطة مدنية تعبّر عن إرادة السودانيين. وما لم يحدث ذلك، ستظل كل الشكاوى مجرد أوراق ضائعة في أروقة العالم.




