
أبو عبدالله الراشدي
الكذب حين يصبح سياسة دولة، فإن الخراب لا يكون عرضًا جانبيًا، بل هو الغاية نفسها
لم يأتِ الكيزان إلى السلطة مصادفة، ولم يحكموها بخطأ تقدير عابر، بل دخلوا تاريخ السودان الحديث على ظهر كذبة كبرى. كذبة الانقلاب على حكومة الصادق المهدي، التي زُيّنت بشعارات “الإنقاذ” و“المشروع الحضاري”، بينما كانت في حقيقتها سطوًا كاملًا على الدولة، والدستور، وإرادة الشعب. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الكذب عندهم وسيلة، بل تحوّل إلى عقيدة حكم.
مارسوا الكذب ببرود، وكرّسوه بوقاحة، ثم انتقلوا إلى المرحلة الأخطر: تبرير الكذب والقتل باسم الدين. حرّفوا الإسلام عن مقاصده، ولوّثوا قيمه النبيلة، وحوّلوه من رسالة أخلاقية جامعة إلى أداة قمع وإقصاء وسفك دماء. لم يشوّهوا السياسة فقط، بل شوّهوا وجدان المجتمع، واغتالوا المعنى قبل أن يغتالوا البشر.
وحين ضاق الناس ذرعًا بسنوات القهر والفساد، وانفجرت ثورة ديسمبر الباذخة، سقط قناع “المشروع الإسلامي” بلا رجعة. خرج الشعب أعزل، لكنه كان مسلحًا بالوعي، فأسقط أعتى منظومات الاستبداد. غير أن الكيزان، وكعادتهم، لم يعترفوا بالهزيمة، بل لجأوا إلى سلاحهم الأبدي: الكذب المنظم والتخريب المتعمد.
تسللوا إلى مفاصل الدولة، عطّلوا مسار الانتقال، أشعلوا الفتن، ونسفوا الثقة بين مكونات الثورة، إلى أن جاء الاتفاق الإطاري كصفعة مباشرة لمشروعهم. فقد كشفهم، وهدد نفوذهم، ووضع أسس الدولة المدنية، وحدد بوضوح موقع الجيش خارج السياسة، وفتح الطريق لمعالجة الجراح التاريخية. لذلك قرروا إحراق البلاد بدل مغادرتها.
هذه الحرب لم تكن قدرًا، بل جريمة سياسية مكتملة الأركان، أشعلها الكيزان عبر الجيش المختطف، وسقوها بأكاذيب رخيصة منذ لحظتها الأولى. ومع كل مجزرة، وكل مدينة تُدمَّر، كانوا يصنعون روايات كاذبة، ويطلقون دعايات هستيرية، حتى أصبحت الحقيقة أول ضحايا هذه الحرب اللعينة.
واليوم، كلما انهزموا على الأرض، انتصروا في خيالهم. يعلنون السيطرة وهم يتراجعون، ويهللون للفتح وهم يغرقون في الهزيمة. إنها هستيريا الكذب: انتصارات وهمية لتعويض فشل حقيقي، وسرديات زائفة لتغطية إفلاس أخلاقي وسياسي كامل.
جماعة الإخوان المسلمين في السودان ليست مجرد تنظيم سياسي، بل وباء فكري دمّر الدولة، وشرعن الدم، وخان الوطن بلا تردد. لكن ما يغيب عن أذهانهم أن الشعوب قد تُخدع مرة، لكنها لا تُستعبد إلى الأبد. فالكذب مهما طال، سينهار، والحقيقة—مهما حوصرت—ستخرج، لتضع هؤلاء في المكان الذي يليق بهم: هامش التاريخ.



