رأي

حين تنطق الهزيمة… خطاب البرهان بين الوهم والإنكار

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

“بعض الهزائم لا تحتاج إلى إعلانٍ رسمي، يكفي أن تنظر في ملامح قائديها.”

في مساءٍ آخر من مساءات التوهان، خرج الفريق أول عبد الفتاح البرهان بخطابٍ جديد يضاف إلى سلسلة بياناته المهزوزة التي لا تحمل سوى المزيد من التبرير والإنكار. بدا الرجل كمن يحاول إقناع نفسه قبل الآخرين بأن انسحاب قواته من الفاشر كان قرارًا استراتيجيًا، لا هزيمة ميدانية ساحقة.

لكن ملامح وجهه المرتبك، ونبرات صوته المتهدجة، كانت أكثر صدقًا من كلماته المنمقة. لقد تحدث الخوف على لسانه قبل أن يتحدث هو؛ الخوف من السقوط الكامل، ومن الحقيقة التي لم يعد ممكنًا تغليفها بالدعاية العسكرية القديمة.

 “حين يعجز القائد عن فهم الواقع، يصبح خطابه مرآة لهزيمته.”

البرهان وصف ما جرى في الفاشر بأنه “انسحاب من أجل حماية المدنيين”، بينما يدرك كل مراقب أن ما حدث هو انهيار تام للقيادة العسكرية في المدينة. لقد اختار الجيش الهروب من المواجهة بعد أن فُقدت السيطرة، في وقتٍ كانت قوات الدعم السريع تحقق انتصارًا منظمًا ومدروسًا، نقلها من موقع الدفاع إلى موقع الحسم الميداني الكامل.

ورغم محاولاته تصوير المشهد كـ”انسحاب تكتيكي”، فإن الحقيقة التي يعرفها الجميع أن الفاشر تحررت من قبضة الجيش وكتائب الإسلاميين الذين استخدموا المدنيين دروعًا بشرية وتركوا وراءهم الفوضى والموت.

في المقابل، تعاملت قوات الدعم السريع بمسؤولية تجاه المدنيين، وفتحت الممرات الآمنة، وقدّمت نموذجًا في الانضباط الميداني خلال أصعب المعارك.

“حين تنكسر الأسطورة، يبدأ أصحابها في الحديث عن الأخلاق.”

البرهان تحدّث عن “انتهاكات جسيمة”، لكنه لم يعتذر يومًا عن الانتهاكات التي ارتُكبت بأوامره، ولم يقرّ بمسؤولية جيشه عن المآسي التي عاشها السودانيون منذ اندلاع الحرب. كلماته كانت مزيجًا من الإنكار والعجز، ومسرحية خطابية تُعرض كل مرة عند كل هزيمة، بعبارات مكرورة لم تعد تقنع أحدًا.

حتى لغة جسده كانت مرهقة، وابتسامته الشاحبة تخفي مرارة الانكسار. بدا كمن يحاول استعطاف الداخل والخارج في آنٍ واحد، بعد أن انفضّ من حوله حتى أقرب حلفائه، وأصبحت سلطة بورتسودان تعيش حالة من الذعر السياسي والإعلامي، بعد أن تهاوت الرواية الرسمية تحت وطأة الوقائع على الأرض.

“الزمن لا ينتظر القادة العاجزين، والتاريخ لا يرحم من يكذب على شعبه.”

البرهان لم يعد يتحدث بلسان الدولة، بل بلسان جماعةٍ فقدت نفوذها ومشروعها. كلما خسر معركة، لجأ إلى خطاب الشكوى والوعيد. غير أن هذا الخطاب الأخير بدا أكثر انكسارًا من أي وقتٍ مضى، وكأنه إعلان غير مباشر بنهاية مرحلة كاملة من أوهام “الجيش المنقذ” و“الكرامة الوطنية” التي لوّثها تحالفه مع الإسلاميين.

في المقابل، قوات الدعم السريع وحلفاؤها من قوى تأسيس، أثبتوا أن التغيير لا يتم عبر الخطابات بل بالفعل الميداني. لقد حرروا المدن، وفتحوا الممرات الإنسانية، وأعادوا الأمل إلى آلاف الأسر التي ظلت رهينة حربٍ لا ناقة لها فيها ولا جمل.

“الحقيقة مثل الشمس… لا يمكن حجبها بالخطابات مهما طالت الظلال.”

في نهاية المطاف، سيتذكر السودانيون هذا الخطاب لا بوصفه إعلانًا سياسيًا، بل وثيقة سقوطٍ أخلاقي لرجلٍ لم يعرف معنى القيادة، وواجه الحقيقة كما يواجه الغريق الموجة الأخيرة.

أما الفاشر، فقد كتبت بدمائها صفحة جديدة في التاريخ — صفحة تقول بوضوح إن من خسر الأرض لا يملك سوى الصراخ في الفراغ، ومن كذب على شعبه، كتب نهايته بيده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!