رأي

التسوية السياسية في السودان: هل هي بناء الدولة أم إعادة تدوير الخراب؟

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

أزمة الخطاب أم أزمة الدولة؟

السودان اليوم يقف على مفترق طرق حقيقي، لكن المثير للدهشة أن معظم النقاشات العامة—من قوى سياسية مدنية، إعلام، ومثقفين—لا تتناول الأزمة من جذورها، بل تدور حول نتائجها الظاهرة: انهيار المؤسسات، انقسام النخب، الحروب، الفقر، النزوح، والتدخلات الخارجية.

هذا الخطاب السطحي يركز على إدارة الأزمة وليس حلها. فهو يبحث عن الحلول التقنية المؤقتة، بينما يتجاهل السؤال الأكثر أهمية: لماذا نشأت هذه الأزمة أساساً؟ ولماذا تستمر الحروب وتتكرر الانقلابات؟

تجاهل الأسباب البنيوية يعني استمرار الدورة نفسها بلا توقف. أي حديث عن تسوية سياسية، أو حتى «وقف الحرب» أو «الانتقال المدني»، يصبح بلا جدوى إذا لم يسبق له تفكيك جذور الأزمة. فالنتائج التي نراها ليست سوى انعكاس لأخطاء تاريخية عميقة، ارتكبت منذ الاستقلال وحتى اليوم، ولم تُعالج.

 الدولة بوصفها أصل الأزمة لا ضحيتها

الجذر الحقيقي للأزمة السودانية يكمن في طبيعة الدولة نفسها، التي صُممت تاريخياً كأداة للسيطرة لا كإطار خدمة. هذه الدولة لم تُبنَ على أساس المواطنة أو العدالة أو التعدد الثقافي، بل على المركزية المطلقة والسلطة القمعية.

منذ نشأتها، ورثت الدولة السودانية البنية الاستعمارية القمعية، وكرّست وجودها عبر الهياكل الأمنية والعسكرية والبيروقراطية، لتضمن استمرار السيطرة على المجتمع، وتبقي الموارد في أيدي قلة مختارة. بعد الاستقلال، لم يُعَد هيكل الدولة ليخدم الشعب، بل أعيد إنتاجه من قبل النخب المحلية بنفس المنطق، مع تغيير الوجوه فقط.

النتيجة: دولة منفصلة عن المجتمع، تُدير الهوية بالقوة، والسياسة بالعسكر، والاقتصاد للامتيازات، والحياة اليومية للشعوب بالحرمان. أي محاولة لإصلاح السودان دون التعامل مع هذه الدولة بشكل جذري، تظل مجرد محاولة ترقيع هشّة.

 دولة وكلاء الاستعمار: آلة الحروب المستمرة

المؤسف أن غالب السرديات الحالية تتوقف عند النتائج، وتغفل الأسباب البنيوية العميقة. السودان يعاني من دولة وكلاء الاستعمار، وهي دولة لا تنتج إلا الحروب والصراعات لتظل قائمة على حساب الشعوب السودانية.

هذه الدولة تضعف المجتمع، وتهمش الهامش، وتعيد إنتاج النخب نفسها داخل مؤسسات عسكرية ومدنية صُممت لحماية الامتيازات لا الحقوق. كل محاولة للتسوية السياسية دون تفكيك هذه البنية لا تعالج الأزمة، بل تعيد إنتاجها بشكل أكثر فظاعة وخيانة لشعوب الهامش العريض.

الحروب المستمرة، النزاعات على الموارد، الانقلابات المتكررة، كل ذلك ليس صدفة، بل نتيجة طبيعية لدولة لم تُصمم لخدمة الشعب، بل لإدامة الانقسامات وضمان استمرار النخب في السلطة.

 التسوية السياسية: إدارة الأزمة أم تكريسها؟

في ظل هذا الواقع، تُطرح «التسوية السياسية» كحل سحري. لكنها غالباً ما تكون إعادة توزيع للسلطة بين نخب متنافسة، مع الاحتفاظ بنفس المؤسسات، ونفس الأساليب، ونفس العلاقات، دون أي التزام حقيقي بالعدالة أو الإصلاح.

التجربة السودانية أثبتت أن أي تسوية لا تلمس بنية الدولة، ولا تخضع الجيش والأجهزة الأمنية للمساءلة المدنية، تتحول إلى هدنة مؤقتة، تُعقبها أزمات جديدة أعنف. فالآلات التي دمّرت السودان من قبل، ستستمر في العمل بذات المنطق، إن لم يتم تفكيكها.

التسوية التي لا تتساءل عن: من يملك القوة؟ من يسيطر على الموارد؟ كيف تُدار الهوية والسياسة والاقتصاد؟ ليست إلا إعادة إنتاج للأزمة بصيغة جديدة، تحت شعار «الاستقرار المؤقت».

العدالة المؤجلة: سلام بدون انتصار للضحايا

لا يمكن فصل التسوية السياسية عن العدالة. السلام الذي لا ينتصر للضحايا، ولا يعترف بالجرائم والانتهاكات، ليس سلاماً، بل مجرد قمع مؤجل.

ضحايا الحروب في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، وحتى في العاصمة الخرطوم، ليسوا هامشاً يمكن تجاوزه باسم التوافق الوطني. أي تسوية تتجاهل معاناتهم، أو تؤجل حقوقهم، أو تغض الطرف عن المحاسبة، ليست سوى شراكة جديدة في الجريمة.

السلام والحرية والعدالة لا تُمنح من فوق، بل تُنتزع عبر إعادة توزيع السلطة والمساءلة والمحاسبة، وفصل السلاح عن السياسة، وإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة الحقيقية.

 الهامش: الامتحان الحقيقي لأي تسوية

شعوب الهامش ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه باسم «التوافق الوطني». أي تسوية سياسية لا تعالج جذور التهميش، ولا تمنح هذه الشعوب سلطة فعلية، ليست سوى إعادة إنتاج للاستعمار الداخلي بأدوات محلية.

الهامش هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع وطني. أي اتفاق ينجح على المستوى المركزي بينما يغض الطرف عن الهامش، هو مجرد تسوية وهمية، ستظل تؤجج الغضب والصراع، وتعيد إنتاج النزاعات بحجم أكبر.

 الخيار الصعب: تسوية أم إعادة إنتاج الخراب؟

السودان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:

تسوية تؤسس لمستقبل جديد: تفكيك دولة الوكلاء، إعادة تعريف السلطة، إخضاع المؤسسات العسكرية للأهلية، ضمان العدالة للضحايا، وفتح الطريق لمواطنة متساوية.

تسوية تعيد إنتاج الماضي: تغيير وجوه فقط، دون المساس بالبنية، وإدارة أزمة قائمة بدل حلها، لتبدأ دورة جديدة من الخراب والفشل.

الخوف من الفراغ، أو الفوضى، أو انهيار الدولة، لا يبرر التمسك بمؤسسات انهارت أخلاقياً وسياسياً. الدولة التي لا تحمي شعبها، ولا تعترف بضحاياها، ولا تضع أدواتها تحت الرقابة، دولة ساقطة مهما بدا اسمها قوياً.

الخيار واضح: إما بناء السودان على أسس جديدة، أو استمرار الخراب باسم التسوية السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!