
التنوير الخرطوم
تتزايد الشهادات القادمة من داخل السودان لتفند بصورة قاطعة مزاعم «تطبيع الحياة» في الخرطوم، حيث تؤكد عشرات القصص الميدانية أن العاصمة لم تعد صالحة للسكن، وأن من عادوا إليها مجبرين بعد أن ضاقت بهم المنافي والملاجئ، اصطدموا بواقع إنساني ومعيشي أكثر قسوة مما تركوه خلفهم.
وبحسب إفادات متطابقة، فإن كثيرين اضطروا للعودة بسبب نفاد المدخرات، أو تدهور أوضاع اللجوء في دول الجوار، أو انسداد فرص العمل، ليجدوا عند وصولهم مدينة خالية من مقومات الحياة الأساسية. أحياء كاملة تحولت إلى مساحات مهجورة، وخدمات الكهرباء والمياه شبه منعدمة، فيما توقفت المرافق الصحية والتعليمية عن العمل أو تعمل بقدرات محدودة لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات.
ويروي عائدون أن انعدام الأمن، والاعتقالات العشوائية، وقيود الحركة، إلى جانب الخوف من الاستهداف على أسس إثنية أو مناطقية، جعلت الحياة اليومية مخاطرة دائمة. كما أشار آخرون إلى انتشار الأمراض ونقص الأدوية، في ظل غياب الرعاية الصحية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية بصورة تفوق القدرة على الاحتمال.
وتكشف هذه الشهادات أن الدعاية المتداولة حول عودة الاستقرار لا تعكس الواقع، بل تتناقض مع مشاهد العاصمة التي وُصفت بأنها «مدينة أشباح»، حيث الأسواق خالية، والمدارس مغلقة، وفرص العمل نادرة. ويؤكد العائدون أن ما واجهوه من قسوة دفع بعضهم إلى التفكير في النزوح مرة أخرى، رغم إدراكهم لصعوبة ذلك.
في المقابل، ترى مصادر مدنية أن الإصرار على تسويق صورة مضللة عن الأوضاع يفاقم الأزمة الإنسانية، ويعرّض المدنيين لمخاطر إضافية، مطالبة بوقف الخطاب الدعائي، والاعتراف بحجم الكارثة، وتهيئة ظروف حقيقية وآمنة قبل الحديث عن عودة السكان.
وتخلص هذه الشهادات إلى نتيجة واحدة: الخرطوم، في وضعها الراهن، غير مهيأة للحياة، وأن معاناة العائدين باتت دليلاً حياً على الفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع الناس، في انتظار حل شامل يعيد الأمن والخدمات ويصون كرامة المدنيين.




