
علي سانتينو
منذ اندلاع الحرب الكارثية في السودان بعض العواصم ترفع شعارات براقة عن مكافحة التطرف والتصدي للإرهاب وحماية الاستقرار الإقليمي، لكن الوقائع المتراكمة وقرائن السياسة والميدان، تكشف أن بعض الدول لا تنخرط في هذه الملفات بوصفها التزاماً أخلاقياً، لكنها توظفها كأدوات انتقائية لخدمة سياساتها ولو أدى ذلك إلى دعم الارهاب، وإطالة أمد الحروب وتشريد الشعوب. وفي مقدمة هذه الدول تقف السعودية ومصر بوصفهما جزءاً أصيل من الأزمة السودانية، ولم يعد خافياً على أحد أن نظام بن سلمان بدأ فعلياً في توفير غطاء سياسي ولوجستي لنظام الحركة الاسلاموية في السودان، متستراً خلف مظلة جيش البرهان الاخواني. هذا الدعم لا يأتي في صورة بيانات رسمية أو تحالفات معلنة، كان يتّسلل خلف قنوات المساعدات الإنسانية التي تُستخدم كحصان طروادة لإعادة تدوير نظام دموي فقد شرعيته السياسية والأخلاقية، وأن جزءاً كبيراً من هذا الدعم يمُر عبر القاهرة، بما يؤكد وجود تنسيق مصري سعودي لإبقاء آلة الحرب الإخوانية دائرة ولو على جماجم السودانيين !
إن الإدعاء بأن هذا الدعم يندرج ضمن الاستقرار هو كذبة سياسية فجة، فالاستقرار الذي يُبنى على تحالف مع جماعة أيديولوجية متطرفة هو وصفة مؤكدة لانفجار طويل الأمد. فالسعودية التي تدّعي محاربة التطرف في خطابها الدولي تجد نفسها تمنح شريان حياة لنظام إخواني مأزوم، لأنه ينسجم مع حسابات النفوذ والمصالح!
أما بلاد الفراعنه، فهي تمارس دورها التقليدي باعتبار السودان حديقة خلفية يجب أن تدار عبر جنرال مطيع، لا عبر إرادة شعبية حرة، القاهرة لا تخفي انحيازها الصريح لجنرال الخراب عبد الفتاح البرهان ليس حباً في السودان وانما دفاعاً عن نموذج الحكم العسكري الذي تعتبره الضامن الوحيد لاستمرار منظومتها الإقليمية القائمة على القمع ونهب الموارد! وفي هذا السياق يصبح دعم الإخوان في السودان تناقضاً ظاهرياً، إذ لا مشكلة لدى السيسي في التحالف مع أي قوة أياً كانت مرجعيتها ما دامت تخدم مشروع الهيمنة العسكرية وتمنع قيام دولة مدنية ديمقراطية على حدوده الجنوبية!
إن الدليل الأكثر فجاجة على هذا التواطؤ الاقليمي يتمثل في امتناع البرهان عن الانصياع لجهود الآلية الرباعية، ورفضه المتكرر لهدن مقترحة من إدارة الرئيس ترامب. هذا التعنت لا يمكن فهمه بمعزل عن السند السعودي والتحريض المصري، في مفارقة سياسية تفضح زيف ادعاءات أن الرياض والقاهرة عضوان فاعلان في هذه الآلية، وتعملان في ذات الوقت على إفشالها من الداخل. إنها سياسة إطفاء الحريق بالزيت، يُستخدم فيها المسار الدبلوماسي غطاءً لإدامة الحرب!
وعندما يواصل المجتمع الدولي نداءاته لوقف القتال وحماية المدنيين، يصرّ نظام الإخوان في السودان على التعبئة للحرب، وتوسيع رقعة الدمار وتشريد الملايين. هذا الإصرار لا ينبع من قوة ذاتية، بل ينبع من ضوء أخضر إقليمي، من الواضح هناك رضىً سعودي مصري، يرى في استمرار الحرب ضمانة لإبقاء السودان أسيراً لدكتاتورية عسكرية فاسدة، دكتاتورية تُنهب في ظلها موارد البلاد، وتُدار ثرواتها بما يخدم مصالح الجيش المصري وشهية الأمراء السعوديين للاستثمار في الفوضى!
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس دعم الإرهاب ولكن إعادة تعريفه سياسياً. فالإرهاب في قاموس هذه الأنظمة المفسدة ليس قتل المدنيين أو تجويعهم وتشريدهم، بل في أي مشروع ديمقراطي يهدد سلطتها ونفوذها. وعندما يكون الإرهاب أداة طيّعة في يد جنرال متهور أو جماعة أيديولوجية، فإنه يتحول فجأة إلى شريك وضرورة مرحلية.
ان السودان اليوم لا يدفع ثمن صراعاته الداخلية فحسب، السودان يدفع ثمن نظام إقليمي فاسد يرى في حريته خطراً وجودياً. وأي حديث عن مكافحة التطرف سيظل كذبة كبرى ما دامت الرياض والقاهرة تمارسان دور الراعي غير المعلن لإرهاب الدولة في السودان. فالتاريخ لا ينسى وكل نظام يعتقد أن بإمكانه دفن الحقيقة تحت حطام الحروب، سيكتشف عاجلاً أو آجلاً أن هذا الحطام سيطمره نهائياً.




