
عماد ابكر جدو
لا يُقاس تاريخ الشعوب بما تحققه في لحظات الاستقرار وحدها، بل بقدرتها على التعلم من تجاربها القاسية، مهما بلغت حدّتها وعمق جراحها. فالحروب، والفساد، والمحسوبية، والعصبيات القبلية والعرقية والجهوية، ظلت عبر التاريخ من أخطر التحديات التي واجهت المجتمعات الإنسانية. ومع ذلك، لم تكن هذه التحديات نهاية المطاف، بل تحوّلت، في كثير من التجارب، إلى محطات فاصلة أعادت تشكيل وعي الشعوب وأسهمت في نهضتها.
مرّت شعوب كثيرة بتجارب بالغة القسوة، لكنها لم تستسلم. ففي أوروبا، واجهت ألمانيا دمارًا شاملًا خلال الحربين العالميتين، إذ انهارت البنية التحتية وتدهور الاقتصاد وتعرّض المجتمع لصدمة نفسية عميقة. غير أن الشعب الألماني استطاع، عبر العمل الجاد والانضباط والاستثمار في الإنسان، أن يتجاوز تلك المرارات، ليبني دولة حديثة أصبحت اليوم من أقوى الاقتصادات العالمية ونموذجًا ناجحًا لإعادة البناء بعد الحروب.
وفي آسيا، عاشت اليابان واحدة من أكثر التجارب إيلامًا في التاريخ الحديث، بعد الحرب العالمية الثانية وما خلّفته القنبلة الذرية من دمار شامل. ومع ذلك، نهضت اليابان من تحت الركام، معتمدة على العلم والتكنولوجيا وقيم الانضباط والعمل الجماعي، لتتحول إلى قوة اقتصادية وصناعية كبرى، وتفرض حضورها في قلب الاقتصاد العالمي.
أما في إفريقيا، القارة التي كثيرًا ما ارتبط اسمها بالأزمات، فتبرز تجربة رواندا كدليل حيّ على قدرة الشعوب على تجاوز الكوارث. فبعد حرب أهلية مدمرة وإبادة جماعية هزّت ضمير الإنسانية، اختارت رواندا طريق المصالحة الوطنية وبناء الدولة، لتدخل مرحلة صعود تنموي واقتصادي لافت، محققة مستويات متقدمة من الاستقرار مقارنة بماضيها القريب.
هذه التجارب جميعها تؤكد حقيقة واحدة: أن الشعوب هي الفاعل الأساسي في تجاوز المحن، وأن الإرادة الجمعية والوعي المشترك يشكّلان حجر الأساس في صناعة المستقبل، مهما كانت التحديات.
وفي هذا السياق، يلفت الانتباه نموذج الشعب الصومالي، لا سيما في دول المهجر. فالملاحظة اللافتة أن شريحة واسعة من الصوماليين في أوروبا، وآسيا، وإفريقيا، وكندا، والولايات المتحدة الأمريكية، استطاعت تحقيق نجاحات اقتصادية كبيرة، واحتلت مواقع متقدمة في عالم المال والأعمال. وقد انعكس ذلك في مستويات معيشية مستقرة، تختلف جذريًا عن واقع الحياة في الوطن الأم الذي أنهكته الحروب والانقسامات.
هذا الصعود الاقتصادي لم يكن محض صدفة، بل جاء نتيجة لثقافة العمل، وروح المبادرة، والتماسك الاجتماعي، والتعاون الاقتصادي داخل المجتمع الصومالي في المهجر. وهي عوامل جعلت من النادر أن يُشاهد صومالي يعيش في فقر مدقع في تلك الدول، مقارنة بغيره من مكونات المجتمعات المهاجرة.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تجلّى هذا النجاح بصورة أكثر وضوحًا، ما أفرز توترات سياسية واجتماعية، خاصة خلال فترة رئاسة دونالد ترامب. وقد انعكست هذه التوترات في خطاب متشدد وسياسات عدائية تجاه المكون الصومالي، وبرزت في مواقف متكررة ضد شخصيات سياسية صومالية مؤثرة، مثل عضو الكونغرس إلهان عمر. ويرى مراقبون أن جذور هذا العداء لا تنفصل عن الغيرة الاقتصادية والمنافسة المالية، في ظل صعود رأس المال الصومالي في قطاعات حيوية كالعقارات والطاقة والتجارة، ما قلب معادلات كانت حكرًا على مكونات تقليدية بعينها.
ومن هنا، تكتسب هذه التجربة أهمية خاصة عند إسقاطها على الواقع السوداني، في ظل حرب الأعوام الثلاثة التي مزّقت البلاد، وخلّفت دمارًا واسعًا في الإنسان والبنية التحتية والاقتصاد. فالسودان، كغيره من الشعوب التي مرّت بالمحن، يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما الغرق في دوامة الحرب والانقسام، أو تحويل هذه المأساة إلى درس عميق يعيد بناء الدولة على أسس جديدة.
إن التجربة الصومالية في المهجر تقدّم للسودانيين درسًا بالغ الأهمية، مفاده أن الخروج من دائرة الفشل لا يبدأ فقط بوقف الحرب، بل بإعادة بناء الإنسان، وتعزيز قيم العمل والإنتاج، وتجاوز العصبيات الضيقة، وترسيخ ثقافة التعاون والتكافل. كما تؤكد أن رأس المال الوطني، حين يُدار بوعي وتنظيم، يمكن أن يتحول إلى قوة حقيقية تسهم في إعادة الإعمار وبناء المستقبل.
إن ما يمر به السودان اليوم، رغم قسوته، ليس نهاية التاريخ. فكما نهضت شعوب من تحت أنقاض الحروب، وكما صنع الصوماليون نجاحهم في المنافي، يستطيع السودانيون، إذا ما استخلصوا الدروس وتجاوزوا خلافاتهم، أن يحوّلوا محنة الحرب إلى فرصة لبناء دولة عادلة وقادرة. فالمستقبل لا يُمنح للشعوب، بل يُنتزع بالإرادة، والعمل، والتعلّم الصادق من التجارب.




