
نجم الدين دريسة
منذ مصر الخديوية مروراً بمصر الملكية والجمهورية، لم تتوقف القاهرة عن التآمر على السودان واستغلاله استغلالاً بشعاً. فمنذ أكثر من قرن ظل السودان ضحية لسياسات تقوم على النهب والابتزاز، والهيمنة على قراره السياسي والعسكري، وإبرام الاتفاقيات المجحفة في تقسيم مياه النيل، بل وشراء موارده بعملات محلية مزيفة عبر جيشٍ مخترق ومرتهن للوصاية المصرية. وكما قال الشاعر: من يهن يسهل الهوان عليه، فقد ظل السودان عرضة لهذا الهوان لأن مؤسسته العسكرية تحولت إلى أداة بيد القاهرة، لا إلى حارسٍ لسيادته.
لم تكتفِ مصر بابتلاع أراضٍ سودانية خالصة مثل حلايب وشلاتين وأبورماد، بل سعت إلى تقويض أي فرصة لبناء دولة مستقلة القرار. أشعلت الانقلابات العسكرية، وأجهضت الثورات والهبات الشعبية، واحتضنت فلول الأنظمة البائدة، ودعمت إعلام الفلول ومخابراتهم، وأغرقت المشهد السوداني بالمؤامرات التي تديم الفوضى وتعرقل التحول الديمقراطي. وكل ذلك جرى ويجري عبر بوابة الجيش الذي ظل منذ أيام ونجت باشا مختطفاً ومخترقاً ومرتهناً لمصر، ليكون مخلب قط يحقق أطماعها.
لقد كان فض اعتصام القيادة العامة، ثم انقلاب 25 أكتوبر، ثم حرب 15 أبريل، مجرد محطات تؤكد أن القرار السوداني مرتهن بتعليمات تأتي من القاهرة. بل إن استهداف شخصيات وطنية مثل الدكتور معاذ تنقو، لأنه امتلك وثائق وخرائط تثبت سودانية حلايب وشلاتين وأبورماد، يكشف بجلاء كيف توظف مصر عملاءها لإسكات أي صوت يطالب بالحقوق التاريخية.
إن الاستغلال المصري لموارد السودان ومقدراته ليس حادثة عابرة ولا خطأً مؤقتاً، بل هو مشروع متواصل منذ قرن من الزمان، يجدّد نفسه بوجوه وأدوات جديدة، لكنه يستند دائماً إلى معادلة واحدة: جيشٌ مختطف يسهّل المهمة على المتآمرين.
لهذا فإن استعادة الكرامة الوطنية تبدأ بخطوة واحدة واضحة: بناء وتأسيس جيش قومي ووطني، بعقيدة قتالية حقيقية، محترف ومؤسسي، قادر على ردع القاهرة ووضع حد لتجاوزاتها المتكررة. جيشٌ يبعد المتآمرين والعملاء عن مفاصل القرار، ويعيد للسودان هيبته كدولة مستقلة ذات سيادة، لا ساحة مفتوحة للوصاية والغطرسة.
إن السودان لن يعرف طريق التحرر ما لم يكسر هذه الحلقة الشريرة من الارتهان، ويضع حداً لغطرسة القاهرة. والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل سوداني على نفسه: إلى متى الصمت على التآمر المصري ؟؟؟؟؟




