
سمية النور دهب
تشهد الجاليات السودانية في الخارج مؤخرًا ظاهرة مقلقة تكشف مدى اختلال التوازن بين السياسة والقانون، وتوضح كيف يمكن أن يتحوّل الصراع الداخلي إلى تهديد مباشر للأمن في المنافي. الأحداث الأخيرة، المرتبطة بمحاولات استهداف ناشطين سودانيين، تؤكد أن العنف السياسي لا يبقى محصورًا داخل حدود السودان، بل يُصدّر إلى الخارج عبر شبكات مؤيدي الجيش ومناصرين للسلطة السابقة.
إن هذا الوضع يعكس أزمة أعمق في بنية السياسة السودانية: سلطة عسكرية تعتمد على شبكة من المؤيدين خارج الحدود لنشر تأثيرها، أحيانًا بأساليب تضرب القانون، وأحيانًا أخرى بأساليب تهدد السلام الشخصي للجاليات. وهو ما يخلق بيئة توتر دائم بين القوى السياسية المختلفة في المهجر، ويحوّل أي خلاف سياسي إلى مسألة أمنية تُدار بالقوة والتهديد بدل الحوار والمنطق.
التحقيقات المتعددة تشير إلى وجود شبكة معقدة من الاتصالات والتنسيق بين أشخاص مرتبطين بالجيش في الداخل وخارج السودان، تشمل تبادل معلومات، وأنشطة مالية غير قانونية، ومحاولات توجيه السلوك السياسي للأفراد في الخارج. هذه الشبكات تمثل امتدادًا للعنف الذي أشعلته المؤسسة العسكرية داخليًا، وتكشف عن صعوبة الفصل بين السياسة والقوة، أو بين الولاء للسلطة وحماية الحقوق المدنية.
الأخطر أن هذه الظاهرة تُضعف الصورة العامة للسياسة السودانية في الخارج، وتحوّل الجاليات إلى ساحات صراع، بدل أن تكون ملاذًا للأمان والحوار السياسي الحر. النزاعات بين الشخصيات واللجان المختلفة تتصاعد بسرعة، وتخرج عن نطاق السيطرة، ما يستدعي تدخل السلطات المحلية في الدول المضيفة لتطبيق القانون وحماية المواطنين من أي تهديد مباشر أو غير مباشر.
من منظور أوسع، يمكن القول إن تصدير العنف هو انعكاس لفقدان الدولة للضوابط الداخلية، واعتمادها على شبكات خارجية لممارسة نفوذها بالقوة. وهذا يقوض أي جهد سياسي مشروع، ويحوّل النشاط المدني في المهجر إلى ساحة صراع محتملة، تعكس صورة مشوهة عن السياسة السودانية ومدى هشاشة مؤسساتها.
إن الحل يكمن في احترام القانون، وفصل النشاط السياسي عن القوة والعنف، وضمان شفافية عمل اللجان والمنظمات السودانية في الخارج. فبدون هذه الضوابط، لن يظل النشاط السياسي أداة للتغيير البناء، بل امتدادًا للعنف المهيمن داخليًا، يُصادر أمان المجتمعات في الخارج، ويهدد استقرارها.




