رأي

البرهان حين يفقد المعنى: تخبّط السلطة وسقوط الأهلية في زمن الحرب

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

حين تنفصل السلطة عن العقل، يصبح الجنون سياسة، ويغدو الخراب رأيًا، ويُتَّهَم العقلاء لأنهم قالوا لا

الخطاب بوصفه اعترافًا: حين تفضح اللغة ما تحاول السلطة إخفاءه

ليس حديث عبد الفتاح البرهان الأخير عن قيادات تحالف «صمود» زلّة لسان عابرة، ولا لحظة انفعال يمكن تبريرها بضغط الأحداث، بل هو اعتراف غير مباشر بحالة الإفلاس الفكري والخواء الروحي التي بلغها الرجل وهو يتصدّر المشهد بوصفه القائد العام للجيش والحاكم الفعلي للبلاد.

فاللغة التي خرج بها حديثه لا تنتمي إلى حقل الدولة، ولا تقترب حتى من الحدّ الأدنى للمخاطبة العامة المسؤولة. إنها لغة منفلتة من العقل، فقيرة في الحُجّة، مشحونة بالهياج. لغة لا يمكن – لو تحرّينا الدقة – أن تصدر عن مشجعي كرة قدم في المساطب الشعبية، فكيف تُنسب إلى من يفترض أنه يجسّد هيبة مؤسسة وطنية يفترض فيها الانضباط والحكمة؟

حين تنحدر اللغة إلى هذا المستوى، فإن السؤال الحقيقي لا يعود: ماذا قال البرهان؟

بل يصبح: ما الذي بقي لديه ليقوله أصلًا؟

الأهلية السياسية: حين تتحوّل الرتبة إلى قناع للعجز

في الفلسفة السياسية، لا تُقاس الأهلية بالحيازة القسرية للسلطة، بل بالقدرة على تمثيل العقل الجمعي، وضبط الانفعال، وإدارة الخلاف دون انهيار لغوي أو أخلاقي.

ومن هذا المنظور، فإن حديث البرهان لا يشي بخطأ سياسي، بل بكارثة أعمق: غياب الأهلية.

من لا يملك اللغة، لا يملك الفكرة.

ومن لا يملك الفكرة، لا يملك الحق في القيادة.

فبدل أن يقدّم تفسيرًا موضوعيًا لأسباب الحرب، أو أفقًا لإنهائها، أو حدًّا أدنى من الاعتراف بالمأساة الإنسانية التي تعصف بالسودان، اختار الطريق الأسهل: التخوين، والسخرية، وإطلاق الأحكام من موقع القوّة لا من موقع العقل.

وهذا، في جوهره، إعلان فشل لا يحتاج إلى خصوم لتفنيده.

حين يصبح السلام جريمة: تجريم من قالوا «لا للحرب»

أخطر ما في خطاب البرهان ليس حدّته، بل منطقه الأعوج.

فالرجل، عمليًا، يضع كل من قال «لا للحرب» في خانة العداء:

– د. عبد الله حمدوك، رئيس وزراء ثورة ديسمبر

– قيادات تحالف «صمود»

– وكل القوى المدنية التي تجوب العالم بحثًا عن مبادرات لوقف نزيف الدم

هؤلاء، في منطق السلطة، لا يُكافأون على سعيهم للسلام، بل يُعاقبون رمزيًا وسياسيًا، ويُمنعون، ويُخوَّنون، فقط لأنهم رفضوا أن تكون الحرب قدرًا أبديًا.

وهنا نبلغ مفارقة فادحة:

من أشعل الحرب يمنح نفسه حق تعريف الوطنية،

ومن يسعى لإيقافها يُتَّهَم بالخيانة.

هذا ليس منطق دولة، بل منطق سلطة تخشى السلام لأنه يكشف خواءها.

الحرب بوصفها أداة لإجهاض الثورة

لم تعد الحرب الدائرة في السودان لغزًا سياسيًا، ولا يمكن التعامل معها بوصفها صراعًا عسكريًا معقّدًا بلا جذور.

إنها، في جوهرها، حرب لإجهاض ثورة ديسمبر الباذخة، الثورة التي قدّمت معنى جديدًا للشرعية، قائمًا على إرادة الشعب لا على فوهة البندقية.

البرهان لم يكن يومًا حارسًا للثورة، بل كان جزءًا من مسار تفريغها من مضمونها:

– انقلاب عليها حين عجز عن احتوائها

– ثم حرب حين فشل الانقلاب في تثبيت نفسه

– ثم تخوين كل من يطالب بوقف الحرب

هذا التسلسل ليس صدفة، بل منهج سلطة أدمنت الهروب إلى الأمام.

الجنون السياسي: حين تفقد السلطة بوصلتها الأخلاقية

لم يكتفِ النظام القائم بقتل السودانيين وتشريدهم قسرًا داخل وطنهم، بل لاحقهم بالاتهام خارج حدوده، وتركهم يواجهون الإهانة والتجريد في المنافي، لا سيما ما تعرّض له اللاجئون السودانيون في مصر، في مشاهد قاسية غابت عنها أي حماية رسمية حقيقية، أو حتى تضامن لفظي صادق.

بدل أن تكون الدولة سندًا لمواطنيها، تحوّلت إلى خصم يشكّك في وطنيتهم، ويتعامل معهم بوصفهم عبئًا أمنيًا.

وهنا تتجلى ذروة الانقلاب الأخلاقي.

وفي الوجدان الشعبي السوداني مثلٌ عميق الدلالة:

«الجن بتداوي كعبة الاندراوة»

لكن ما بلغته هذه السلطة تجاوز الاندراوة نفسها

التهكم الذي تحوّل إلى توصيف

وللمفارقة، قال محمد حمدان دقلو (حميدتي) حديثًا لا يخلو من تهكّم وهو يشير إلى البرهان بعبارة موحية، بدت في وقتها أقرب إلى السخرية السياسية منها إلى التوصيف الجاد. غير أنّ الوقائع التي تلتها، ومسار التخبط المتصاعد، يدفعان اليوم إلى التوقف عند تلك العبارة لا باعتبارها تهكمًا عابرًا، بل بوصفها توصيفًا مكثفًا لحالة اختلال عميق في التوازن السياسي لرجل فقد بوصلته، وأضحى يدير الدولة بعقل مرتبك لا يحتمل الاختلاف، ولا يقيم وزنًا للعقل أو المنطق، ويعامل السياسة كحالة انفعال دائم لا كمجال مسؤولية تاريخية.

حين يتحوّل الجنون إلى سياسة دولة

إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس السلاح وحده، بل سلطة بلا عقل، وحكم بلا معنى.

سلطة ترى في دعاة السلام أعداء،

وفي الحرب خلاصًا،

وفي التخوين بديلًا للفكرة.

لكن التاريخ لا يساوم.

والزيف، مهما طال، لا يدوم.

قد يجمعه الضجيج حينًا، لكن ما جمعه الطبل تفرّقه العصا.

هذه ليست نبوءة شعرية، بل قانون سياسي صارم:

كل سلطة تعادي السلام، وتطارد العقل، وتغتال المعنى، تكتب نهايتها بيدها.

وغدًا… ليس شعارًا، بل موعدًا مع الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!