رأي

حين تُدار حرب السودان من خارج حدوده: التدخل المصري ومسار الانزلاق نحو حرب إقليمية مفتوحة

عباس احمد السخي

 

عباس احمد السخي

لم تعد الأسئلة المطروحة حول الحرب في السودان تتعلق فقط بمن أطلق الرصاصة الأولى، أو أي الجنرالين أكثر تعطشًا للسلطة. السؤال الأخطر اليوم هو: من الذي قرر تحويل السودان إلى ساحة حرب تُدار عن بُعد، وبمسيّرات تنطلق من خارج حدوده؟

التحقيق الذي نشرته نيويورك تايمز عن وجود قاعدة جوية مصرية سرية في شرق العوينات، تُستخدم – وفق أدلة أقمار صناعية وشهادات متعددة – لإدارة ضربات بطائرات مسيّرة داخل السودان، لا يمكن التعامل معه كخبر عابر أو “ادعاء إعلامي”. نحن أمام نقلة نوعية في التدخل المصري: من خطاب سياسي معلن عن “الحفاظ على استقرار السودان” إلى تورط عسكري مباشر ومخفي في حرب أهلية مدمّرة.

لطالما قدّمت القاهرة نفسها كطرف حريص على وحدة السودان واستقراره، وكمركز إقليمي للوساطة. لكن ما يكشفه التحقيق يقوّض هذا الادعاء من جذوره.

إذ ان إدارة عمليات عسكرية عابرة للحدود، انطلاقًا من قاعدة مموهة داخل الأراضي المصرية، تعني ببساطة أن مصر غادرت مربع الوسيط ودخلت مربع الطرف — دون إعلان، ودون مساءلة، ودون تفويض إقليمي أو دولي.

الأخطر أن هذا التدخل لم يتم عبر دعم سياسي أو لوجستي معلن، بل عبر أدوات حرب حديثة منخفضة الكلفة السياسية: الطائرات المسيّرة. سلاح يسمح بالقتل عن بُعد، دون صور توابيت، ودون بيانات رسمية، ودون تحمل كلفة أخلاقية علنية.

وأن تتحول منطقة زراعية مثل شرق العوينات إلى منصة عمليات عسكرية، فهذه ليست مجرد مسألة “تمويه عسكري ”. إنها دلالة سياسية وأخلاقية خطيرة. فالصور التي تُظهر مدارج طيران موسّعة، وحظائر محصّنة، وبنى اتصالات متقدمة، تقول إن الأمر لم يكن رد فعل طارئًا، بل إعدادًا طويل الأمد. أي أن خيار التدخل العسكري في السودان كان مطروحًا على الطاولة منذ سنوات، بانتظار اللحظة المناسبة. وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله:

إذا كانت القاهرة ترى في الحرب السودانية تهديدًا لأمنها القومي، فلماذا لم تستثمر هذا “الاستشعار المبكر” في الضغط السياسي الجاد لوقف الحرب، بدل الاستثمار في منصات القتل؟

ان التدخل العسكري المصري بالمسيّرات لا يحسم هذه الحروب، بل يطيلها ويُعقّدها. فحين يحصل طرف على تفوق جوي غير معلن، يزداد تصلبه، وتتعزز قناعته بإمكانية الحسم العسكري، بينما يندفع الطرف الآخر للبحث عن داعمين جدد، وسلاح أكثر فتكًا، ووسائل رد غير تقليدية. بهذا المعنى، لا يساهم التدخل المصري في “استقرار السودان”، بل يدفعه خطوة إضافية نحو نموذج الحرب بالوكالة، حيث تتقاطع مصالح الدول، وتُسحق المجتمعات المحلية تحت أقدام الحسابات الإقليمية.

كما ان ما يجري في السودان ليس فقط انتهاكًا أخلاقيًا، بل انتهاك صريح لسيادة دولة منهكة.

وان ضرب أهداف داخل السودان انطلاقًا من أراضي دولة مجاورة يضع التدخل في خانة الأعمال العدائية، مهما كانت الذرائع. وإذا كان منطق “الأمن القومي” يبرر هذا السلوك، فما الذي يمنع دولًا أخرى من تبني المنطق ذاته؟ عندها لن يبقى للسودان حدود، بل مجرد مسرح مفتوح تتناوب عليه المسيّرات.

مما لا شك فيه ان مصر لا تحمي السودان… بل تمزقة، والمفارقة المؤلمة أن التدخل الذي يُقال إنه يهدف إلى منع انهيار السودان، يساهم فعليًا في تعميق انهياره. فبدل دعم مسار سياسي شامل، ووقف عسكرة الإقليم، اختارت القاهرة — وفق ما يكشفه التحقيق — طريقًا طويلا وخطيرًا: إدارة الحرب من الظل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!