
منال علي محمود
البريد الإلكتروني: manal002002@gmail.com
في هذه الحرب، لم تعد الوطنية موقفًا من الدولة،
ولا التزامًا بالقانون،
ولا حتى دعمًا لمؤسسة الجيش بوصفها مؤسسة قومية.
الوطنية صارت لهجة.
إن لم تتبنَّ الخطاب العنصري، فأنت مشكوك فيك.
وإن لم تكره الجنجويد بالاسم والتوصيف الاجتماعي، فأنت خائن،
حتى لو أعلنت دعمك للجيش،
وحتى لو رفضت ممارسات قوات الدعم السريع سياسيًا وأخلاقيًا.
هنا، لم يعد الانتماء الوطني هو الفيصل،
بل الانتماء الجغرافي والعرقي.
صار المكان جريمة،
واللهجة دليل اتهام،
والاسم وحده كافٍ لإسقاط الحق في الحياة.
قانون لم يولد من فراغ
هذا القانون لم يُولد مع هذه الحرب من فراغ.
لم يظهر فجأة، ولم يكن اختراعًا طارئًا.
كان موجودًا في الهامش غير المكتوب من الدولة،
في الوعي الجمعي المشوَّه،
وفي تاريخ طويل من تصنيف الناس لا الأفعال.
لكنه كان قانونًا معطّلًا،
يُمارَس خلسة،
ويُنكَر علنًا.
ما فعلته هذه الحرب، وما فعله الخطاب المصاحب لها،
هو بعث قانون قديم،
ونقله من الممارسة الضمنية إلى السياسة العلنية،
ومن الشبهة الاجتماعية إلى التفويض العسكري،
ومن الإنكار إلى التبرير.
من المهنية العسكرية إلى التصنيف الاجتماعي .
الجيش المحترف لا يخوض الحرب بالأوصاف الاجتماعية.
لا يحمّل خصمه تاريخًا،
ولا يختصره في عِرق أو جهة.
الجيش المحترف يقول، (قوات متمردة).
لكن ما حدث في هذه الحرب كان العكس تمامًا.
لم يُستنكر الخطاب العنصري والمناطقي لبعض قادة الجيش.
سُمح بتحويل توصيف الخصم من توصيف عسكري إلى توصيف اجتماعي.
جرى تداول اسم «الجنجويد» داخل خطاب يُفترض أنه رسمي.
وهنا، لم تسقط كلمة فقط،
بل سقطت مهنية الدولة.
لماذا «الجنجويد» ليست مجرد اسم؟.
الجنجويد ليست توصيفًا قانونيًا،
ولا مصطلحًا عسكريًا معتمدًا.
هي كلمة محمّلة بتاريخ وجغرافيا وعرق.
في أصل استخدامها، أُطلقت على مجموعات مسلحة من دارفور،
ثم تحولت بمرور الزمن إلى وصم اجتماعي،
لا يفرّق بين مقاتل ومدني،
ولا بين من يحمل السلاح ومن يحمل لهجة.
اعتمادًا على تقديرات ميدانية وملاحظات واقعية،
حوالي ٦٠٪ من السودانيين لم يسمعوا بهذه الكلمة إلا بعد اندلاع الحرب في أبريل،
ما يوضح أنها لم تكن جزءًا من الخطاب العام أو الوعي الشعبي،
بل فُرضت فجأة في سياق الحرب
لتصنيف الأعداء
وإضفاء الشرعية على القتل بالاشتباه.
بهذا المعنى، لم تكن كلمة «الجنجويد» مجرد توصيف ،
بل الأداة اللغوية المثالية لإعادة تشغيل قانون جاهز سلفًا،
كان ينتظر اللحظة المناسبة فقط.
عندما تُستخدم هذه الكلمة في خطاب الدولة،
يصبح الاشتباه كافيًا للعقاب،
يصبح المكان قرينة اتهام،
وتتحول الهوية إلى ملف أمني.
هنا يبدأ التطبيق العملي لما يمكن تسميته قانون الوجوه الغريبة.
التسمية كأداة قتل ، التسمية هي قرار سياسي غير معلن.
عندما تُجرَّم الكلمة، يُبرَّر العقاب.
وعندما تُجرَّم الجماعة، يسهل قصف المكان.
وعندما يسهل القصف،
يصبح القتل إجراءً وقائيًا لا جريمة.
قانون الوجوه الغريبة لم يُكتب،
ولم يُنشر في جريدة رسمية،
لكنه يُنفَّذ يوميًا ،
تفتيش،
اشتباه،
تصفية،
قصف أحياء كاملة،
فقط لأن الوجه لا يشبه النموذج المقبول وطنيًا.
البرهان لم يسنّ هذا القانون،
لكنه خلق البيئة التي جعلته ممكنًا ومبررًا.
لم يعد هذا القانون توصيفًا تحليليًا أو ممارسة نظرية.
لقد تجسّد على الأرض:
في تفتيش يقوم على اللهجة لا الهوية،
وفي قتل بالاشتباه لا بالإثبات،
وفي قصف مناطق وُصفت بأنها «حواضن»
دون أي تمييز بين مقاتل ومدني.
هكذا تحوّل المكان إلى تهمة،
والوجود إلى قرينة،
وصار البقاء على قيد الحياة مرهونًا بالشبه لا بالقانون.
«لن تقف الحرب حتى القضاء على آخر جنجويدي».
بهذه العبارة، خرج الخطاب من نطاق الحرب العسكرية
إلى فضاء أخطر بكثير.
السؤال هنا ليس سياسيًا، بل قانونيًا.
من هو الجنجويدي؟
في القانون:
لا أحد.
لا يوجد تعريف تشريعي أو عسكري لكلمة الجنجويد.
في الخطاب الجاري، قد يكون.
مقاتلًا في الدعم السريع،
مدنيًا من دارفور،
شخصًا بلهجة معينة،
شخصًا لا يشارك في خطاب الكراهية،
أو حتى داعمًا للجيش،
لكن ليس بالصوت المطلوب.
والسؤال الذي تتجاهله هذه العبارة عمدًا هو،
كم عدد الجنجويد حتى يُعلَن القضاء عليهم؟
ومن هم تحديدًا؟
هل نحن أمام قوة عسكرية مُعرَّفة،
ذات تعداد معروف،
وسلسلة قيادة واضحة؟
أم أمام توصيفٍ سائل،
يتمدّد ليشمل كل من لا يشبه النموذج المعتمد وطنيًا؟
وإذا كان المقصود هو قوات الدعم السريع،
فلماذا لم يُستخدم توصيفها القانوني والعسكري؟
ولماذا تحوّل الحديث عن «حواضن»
إلى مبرر جماعي للعقاب،
بحيث صار المدني طرفًا في هذه الحرب
لمجرد انتمائه الجغرافي أو الاجتماعي؟
بهذا المنطق، لم تعد الحواضن توصيفًا سياسيًا أو اجتماعيًا،
بل تحوّلت إلى طرف مُعاقَب،
وصار المكان ذاته ساحة قتال،
لا لأنه يحمل سلاحًا،
بل لأنه يحمل هوية.
بهذا المعنى، تصبح عبارة
«القضاء على آخر جنجويدي»
تفويضًا مفتوحًا
لحرب بلا تعريف،
وعدو بلا حدود،
ونهاية غير قابلة للتحقق.
وهنا يتحول القتل من فعل استثنائي
إلى سياسة غير مكتوبة.
إحساس من تطلق عليهم الدولة اسم «جنجويد».
ما لا يُقال في هذا الخطاب، وما يتم تجاهله عمدًا، هو إحساس من تُطلق عليهم الدولة والمجتمع اسم «جنجويد».
ليس بوصفهم مقاتلين فقط، بل بوصفهم بشرًا جرى تجريدهم من أي تعريف آخر.
هذا الاسم، حين يُلقى على إنسان من قبل الدولة، لا يصف فعله بل يُلغي وجوده.
لا يقول, ارتكبت جريمة.
بل يقول ,أنت الجريمة.
الإحساس المتكوّن هنا ليس إحساس انتماء إلى أي قوة مسلحة بقدر ما هو إحساس الطرد من الوطن.
حين يسمع شاب من دارفور، أو من الهامش، أن الحرب لن تتوقف إلا بالقضاء على «آخر جنجويدي»،
فهو لا يسمع وعدًا عسكريًا،
بل يسمع حكمًا بالإعدام المؤجَّل،
حتى لو لم يحمل سلاحًا،
وحتى لو لم ينتمِ لأي جهة مسلحة.
هذا الإحساس هو ما حوّل كثيرين من هامش الصراع إلى داخله.
ليس بدافع الأيديولوجيا،
ولا دفاعًا عن أي قوة مسلحة،
بل دفاعًا عن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
عندما تقول الدولة لمجموعة من مواطنيها,
أنتم خطر وجودي،
فإنها تدفعهم، بقسوة، إلى موقع العدو.
بهذا المعنى، لم تصبح الحواضن الاجتماعية طرفًا في الحرب لأنها اختارت ذلك،
بل لأنها وُضعت هناك قسرًا.
حين يُجرَّم الاسم،
ويُدان الوجه،
ويُشتبه في اللهجة،
يصبح الصمت مستحيلًا،
ويتحول البقاء ذاته إلى موقف سياسي.
هذا الإحساس — إحساس الإلغاء — هو أخطر ما أنتجته هذه الحرب.
لأنه لا يُنهي الصراع،
بل يضمن استمراره بأشكال جديدة،
حتى بعد توقف إطلاق النار.
رواندا لم تبدأ بالمناجل
رواندا لم تبدأ بالإبادة.
بدأت بإذاعة.
بخطاب كراهية.
بتحويل جماعة كاملة إلى خطر وجودي.
وعندما صمتت الدولة،
صار القتل فعلًا وطنيًا،
وصار الامتناع عنه خيانة.
اليوم في السودان، نعيد التجربة ذاتها,
إن لم تكره الجنجويد — لا قوات الدعم السريع — فأنت خائن.
وهنا تكمن الخطورة القصوى،
عندما تتحول الكراهية إلى شرط للانتماء.
السؤال المؤجَّل
إذا كانت الدولة قد قبلت بهذا المنطق،
وبهذه اللغة،
وبهذا التفويض المفتوح،
فماذا سيكون حال البلاد
إن مارس الطرف الآخر السلوك ذاته؟
إن صنّف الناس بالعرق؟
وخاض الحرب بالأوصاف الاجتماعية؟
السؤال ليس دفاعًا عن أحد،
بل اتهامًا لمن فتح هذا الباب.
قانون الوجوه الغريبة لم يُكتب اليوم،
لكنه بُعث من جديد
عندما تخلّت الدولة عن لغتها القانونية،
وعندما صار الاسم حكمًا،
واللهجة دليل إدانة،
والانتماء الجغرافي جريمة غير مكتوبة.
وعندما تنتهي هذه الحرب،
سيبقى السؤال القانوني معلّقًا فوق الدولة.
من يُحاسَب على جرائم ارتُكبت باسم قانون لم يمت،
بل بُعث في الحرب…
وطُبّق على الوجوه، لا على الأفعال؟




