رأي

تأخير استكمال حكومة التأسيس يعرقل إدارة الدولة

مها طبيق

منذ الإعلان عن تشكيل حكومة التأسيس في السودان ، ظلّت الأنظار متجهة إلى استكمال الوزارات السيادية والخدمية الكبرى ، لكن التأخير المستمر قد يتحول إلى أزمة تمس شرعية الحكم وقدرة الدولة على إدارة شؤونها بفعالية ، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على ثقة المواطن ومصداقية الحكومة . فكل يوم يمر بلا تعيين وزراء أساسيين مثل المالية والداخلية والخارجية والشؤون الاجتماعية ، يتعمّق شعور المواطنين بأن الدولة غير قادرة على إدارة الملفات الحيوية . هذا التأخير يرسّخ حالة فقدان الثقة الشعبية، حيث يرى المواطن أن الحكومة بلا رؤية واضحة ، فيزداد القلق والاستياء ، كما يفتح الباب أمام تمدد النفوذ الموازي للقوى غير الرسمية والجماعات المسلحة التي تستغل هذا الفراغ ، مما يضاعف صعوبة تحقيق الأمن والاستقرار .

الجانب الاقتصادي هو الأكثر تأثراً بهذا البطء ، إذ إن غياب وزير للمالية في ظل ظرف استثنائي يهدد قدرة الدولة على إدارة مواردها خاصة في ظل تحديات تمويل الحرب واستقرار العملة وتوفير الخدمات الأساسية . فغياب القيادة الاقتصادية الكفؤة يعني استمرار الاعتماد على حلول مؤقتة بلا استراتيجية واضحة ، وتراجع فرص التنمية نتيجة تعطّل المشاريع وضعف التخطيط المالي .

تعود أسباب هذا التأخير إلى مجموعة من العوامل في مقدمتها المحاصصات السياسية التقليدية وصراع القوى على الحصص ، وهو ما يعيق اختيار الكفاءات الحقيقية . كما أن التدخلات الخارجية والضغوط الإقليمية والدولية تلعب دورًا في تأجيل التعيينات نتيجة تفاوض مستمر حول أولويات الحكومة، إضافة إلى ندرة الكفاءات المستقلة القادرة على تجاوز الانقسامات السياسية ، وامتلاكها الخبرة اللازمة لإدارة ملفات معقدة في ظرف استثنائي .

هذا الوضع ربما يمتد إلى البعد الأمني والاجتماعي ، فالتأخير في تعيين وزراء الداخلية والشؤون الاجتماعية يضع الدولة أمام تحديات خطيرة حيث تضعف قدرة الحكومة على ضبط الأمن الداخلي ، فيما يبقى قطاع الشؤون الاجتماعية بلا قيادة قادرة على مواجهة الأزمات الإنسانية المتفاقمة . كما أن غياب وزير للتعليم والتعليم العالي يؤخر إصلاح قطاع التعليم ، وهو ما يهدد مستقبل الأجيال .

إن استكمال تشكيل الحكومة هو ضرورة استراتيجية تمثل شرطًا أساسيًا لسلامة الدولة . المطلوب اليوم هو اختيار الكفاءات الوطنية بعيدًا عن الصفقات السياسية الضيقة وتحديد أولويات واضحة للموارد والميزانية لضمان استمرار الخدمات الأساسية ، مع تعزيز جسور الثقة مع الشعب عبر تواصل شفاف وصريح يوضح خطوات التعيين وأولويات العمل الحكومي .

أن تعطيل استكمال حكومة التأسيس أصبح عائقا كبيرًا أمام إدارة الدولة وأضعف شرعيتها داخليًا وخارجيًا والحل لا يحتمل الانتظار . المطلوب تحرك عاجل بشجاعة سياسية وقرارات حاسمة تضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة ، حتى تستعيد الدولة ثقة شعبها وتتمكن من إدارة أزماتها وتأمين مستقبلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!