
عبد الرحمن أبو رندة،،بنسلفانيا
تشهد مدينة الفاشر في الآونة الأخيرة تحولات لافتة تعكس خروجها التدريجي من آثار الحرب الثقيلة، وتؤكد أن هذه المدينة العريقة ما زالت تمتلك قدرة استثنائية على النهوض رغم عمق الجراح. فبعد سنوات من العنف والخراب، بدأت ملامح الحياة تعود بهدوء وثبات، مدفوعة بإرادة مجتمعية صلبة وجهود متراكمة على أكثر من مستوى.
أحد أهم مؤشرات هذا التعافي يتمثل في انتظام العملية التعليمية وعودة المدارس إلى استقبال الطلاب. فمشهد التلاميذ وهم يتجهون إلى فصولهم من جديد يحمل دلالة تتجاوز التعليم بوصفه خدمة، ليصبح فعلاً واعياً في مواجهة آثار الحرب. إن إعادة فتح المدارس، رغم ما طال البنية التحتية من دمار، تعني أن الفاشر تضع مستقبل أبنائها في مقدمة أولوياتها، وتعلن بوضوح أن الحرب لن تكون نهاية الحلم.
وبالتوازي مع ذلك، شهدت المدينة عودة متزايدة للمواطنين إلى منازلهم وأحيائهم، في خطوة تعكس إحساساً متنامياً بالاستقرار النسبي. هذه العودة ليست مجرد حركة سكانية، بل تعبير عميق عن تعلق الناس بمدينتهم، وإصرارهم على إعادة بناء حياتهم مهما كانت الصعوبات. فإعادة ترميم البيوت ترافقها محاولات لترميم الذاكرة والروح، وهي عملية شاقة لكنها ضرورية.
كما تبذل جهود كبيرة لتوفير الخدمات الأساسية التي لا غنى عنها لاستقرار السكان، من مياه وكهرباء وخدمات صحية. ورغم محدودية الإمكانات والتحديات الأمنية واللوجستية، إلا أن استمرار هذه الخدمات ولو بالحد الأدنى يشكل ركيزة مهمة في مسار التعافي. ويعزز ذلك انسياب الإغاثة والعون الإنساني، الذي أسهم في تخفيف معاناة الأسر المتضررة وساعد في سد بعض الفجوات المعيشية.
في الجانب الاقتصادي، عادت الأسواق إلى العمل وبدأت حركة البضائع تنساب من القرى والأرياف المجاورة نحو المدينة، في مؤشر واضح على تحسن حركة التجارة واستعادة الدور الحيوي للفاشر كمركز للتبادل الاقتصادي والاجتماعي. فعودة السوق تعني عودة الثقة، وعودة الناس إلى دورة الحياة اليومية.
ولا يمكن إغفال عودة النشاط الرياضي، التي تمثل علامة فارقة على التعافي الاجتماعي والنفسي. فالملاعب حين تمتلئ من جديد، فإنها تعلن أن المدينة استعادت شيئاً من عافيتها، وأن المجتمع بدأ يتجاوز آثار الحرب الثقيلة.
إن مجموع هذه المؤشرات يؤكد أن الفاشر بدأت تستعيد نبضها، رغم ما عبثت بها أيادي حركات الارتزاق الآثمة ومليشيات الجيش المختطف من قبل جماعة الإخوان المسلمين. إنها مرحلة صعبة، لكنها تحمل في طياتها أملاً حقيقياً بأن الفاشر قادرة على النهوض، وماضية بثبات نحو استعادة حياتها ودورها التاريخي.




