رأي

من إبستين إلى العالم العربي وأفريقيا

مها طبيق

 

 مها طبيق 

إذا اردت أن ترى كيف تحمي السلطة والمال الجريمة… وتُفرغ العدالة الدولية من مضمونها ، فأنظر الي قضية جيفري إبستين فهي نموذج كاشف لكيفية تآكل العدالة حين تتقاطع الجريمة مع السلطة والمال . ما جرى في الولايات المتحدة وبريطانيا لا يختلف جوهريًا عما يحدث في العالم العربي وأفريقيا ، الفارق الأساسي يكمن في مستوى التجميل الخطابي ، ولكن طبيعة الانتهاك واحدة . العدالة الدولية تنهار وتُفرَّغ تدريجيًا عبر الاستثناءات ، والتسويات ، والحصانات غير المعلنة

حالة إبستين تعكس الإفلات المقنع من العقاب وبالقانون في النموذج الغربي رغم أن القوانين كانت موجودة ، والأدلة كانت متوفرة ، والشهادات موثقة . لكن ما غاب هو تفعيل العدالة كاملة ، بسبب تسويات جنائية أفرغت الجريمة من بعدها البنيوي . مما يمثل حماية غير مباشرة لشبكات النفوذ ، وتحويل العدالة إلى أداة لإدارة المخاطر السياسية بعيدا عن محاسبة الجناة . هذا النموذج يقدّم نفسه كـ«ديمقراطية مرنة» حين يتعلق الأمر بالنخب .

في العديد من الدول العربية ، لا يحتاج الإفلات من العقاب إلى هندسة قانونية معقّدة فهو جزء أصيل من بنية الحكم وسياسة متجذرة في الدولة ، حيث تجد جرائم حرب بلا محاكمات ، وعنف جنسي في النزاعات يُسقط بالتقادم أو بالصمت ، وتقارير دولية بلا آليات تنفيذ . هنا تُعطَّل العدالة وتُمنع بنيويًا ، ويُعاد تعريف السيادة كأداة لحماية الجناة بدلا من حماية المواطنين . الأخطر أن المجتمع الدولي يتعامل مع هذا الواقع بمنطق الاستقرار أولًا… والعدالة لاحقًا ، أو ربما أبدًا .

أما الانتقائية العابرة للحدود

في السياق الأفريقي ، يظهر تآكل العدالة في صورة مختلفة حيث نجد محاسبة قادة من الهامش السياسي ، وتجاهل جرائم حلفاء استراتيجيين مع تسييس آليات العدالة الدولية نفسها ، على سبيل المثال المحكمة الجنائية الدولية حيث تحوّلت في نظر قطاعات واسعة من الأفارقة من أداة عدالة إلى أداة تفاوض سياسي ، مما أفقدها الثقة والمشروعية الأخلاقية . لذلك كانت النتيجة عدالة تُستخدم ضد الضعفاء ، وتُعطَّل أمام الأقوياء .

ما يربط إبستين بجرائم العالم العربي وأفريقيا هو العنف الجنسي كجريمة مريحة للإنكار لأنها تمثل ضحايا بلا صوت في مجتمعات تُرغم على الصمت تحت أنظمة تعتبر العدالة تهديدًا لا التزامًا . في كل هذه السياقات ، يُختزل العنف الجنسي في كونه “قضية أخلاقية”، بدل الاعتراف به كجريمة دولية ممنهجة .

العدالة الدولية باتت كخطاب استهلاكي حينما تُحاسَب دول ،

وتُستثنى أخرى ، وتُدار القضايا وفق المصالح ، فتفقد العدالة الدولية جوهرها ، وتتحول إلى خطاب علاقات عامة . إبستين لم يفلت لأنه قوي فقط ، ولكن لأن النظام نفسه مصمم لاحتمال سقوط الضحايا ومحصن ضد سقوط النخب .

ما يجمع إبستين ، وجرائم الحروب في العالم العربي ، والانتهاكات في أفريقيا ، هو معادلة واحدة حين تتحدث السلطة والمال ، تتراجع العدالة إلى الهامش . إن المشكلة ليس في القانون وإتما تكمن في من يُطبَّق عليه ، ومن يُستثنى ، ومن يملك تعطيله . وعليه ، ما لم تُفكك هذه المعادلة ، سيظل الإفلات من العقاب هو القاعدة لا الاستثناء ، وستبقى العدالة الدولية أداة انتقائية لا منظومة إنصاف . هذه أزمة نظام عالمي . ونقدها ليس عداءً للعدالة الدولية ، ولكن محاولة جادة—وربما أخيرة—لإنقاذ معناها .

 

مها الهادي طبيق

 4 فبراير 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!