رأي

حين يسقط الوكلاء ويعلو وعي الشعوب

ابو عبدالله الراشدي

 

ابو عبدالله الراشدي 

يمكن للسلطة أن تقمع الجسد، لكنها تعجز عن مصادرة الوعي

ليست المعركة الجارية في السودان مجرّد صراع عسكري عابر أو تنازع على السلطة بين أطراف متقابلة، بل هي في جوهرها مواجهة تاريخية طويلة بين مشروعين متناقضين: مشروع دولة وكلاء الاستعمار التي تأسست عقب الاستقلال الشكلي، وأدمنت الفشل والفساد والاستبداد، ومشروع الدولة الجديدة القائمة على المواطنة المتساوية والحقوق والواجبات بلا تمييز.

هذه المعركة لم تبدأ مع اندلاع الحرب، ولن تنتهي بتوقف إطلاق النار وحده. إنها صراع عميق الجذور، يمتد إلى بنية الدولة نفسها، وإلى الطريقة التي أُدير بها السودان لعقود طويلة عبر نخب ضيقة احتكرت السلطة والثروة، وأقصت السواد الأعظم من الشعب، خاصة في مناطق الهامش التي دفعت أثماناً باهظة من الدم والتنمية المؤجلة.

دولة ما بعد 1956 لم تكن دولة وطنية جامعة، بل كانت دولة وكلاء، أعادت إنتاج منظومة استعمارية بواجهة محلية. استبدلت المستعمر الأجنبي بنخب مركزية، حافظت على ذات أنماط الإقصاء، واستخدمت أدوات الدولة لقمع المجتمع بدلاً من خدمته. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الدولة إلى كيان عاجز عن الإصلاح، لا يعيش إلا بإطالة عمر الأزمات وتدوير الفشل، لأن أي تحول حقيقي يعني نهايتها.

في هذا السياق، تستخدم دولة الوكلاء كل الوسائل غير المشروعة لإطالة أمد الحرب، لا حباً في الوطن ولا دفاعاً عن الدولة، بل حفاظاً على السلطة. فالحرب بالنسبة لها ليست كارثة، بل وسيلة. وكلما طال أمدها، تضاءلت فرص المحاسبة، وتأجلت أسئلة الشرعية، وتراجع صوت المدنيين لصالح منطق القوة والخوف.

غير أن الرهان الدائم لهذه الدولة على تفكيك المجتمعات، وإعادة إنتاج الانقسامات القديمة، بات رهانا خاسراً. فالسودان اليوم ليس هو السودان الذي خرج من الاستقلال الشكلي قبل سبعة عقود. المجتمعات تغيّرت، ووعيها تطوّر، ولم تعد الأحزمة الرعوية، ولا البنى الاجتماعية، ولا أنماط التفكير، كما كانت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

لقد تشكّل وعي جديد في أوساط واسعة من السودانيين، وعي يرى الدولة لا كغنيمة للنخب، بل كعقد اجتماعي، ويرفض التراتبية الزائفة التي قسمت الناس إلى مركز وهوامش، وإلى مواطن كامل الحقوق وآخر منقوص الكرامة. هذا الوعي هو التهديد الحقيقي لدولة 56، وليس السلاح ولا الجيوش.

من هنا، يبدو وهماً الاعتقاد بأن القوى الاجتماعية التي رفعت شعارات التغيير يمكن أن تنفصل عن مطالب مجتمعاتها، أو أن تتخلى عن قضايا الهامش التي ظلت لعقود خارج معادلة الحكم. فالقضية لم تعد قضية فصيل أو تنظيم، بل قضية شعوب عريضة دفعت ثمناً باهظاً من التهميش، والنزوح، والقتل، والتجويع، ورفضت أن تعود إلى مربع الصمت القديم.

إن محاولات شيطنة هذه المجتمعات، أو تصويرها ككتلة واحدة معزولة عن التاريخ والسياسة، ليست سوى إعادة إنتاج لخطاب الدولة النخبوية نفسها، ذلك الخطاب الذي طالما استخدم لتبرير القمع وإدامة السيطرة. لكن هذا الخطاب بات أقل تأثيراً في ظل تنامي الوعي الجمعي، واتساع النقاش حول جذور الأزمة وليس مظاهرها فقط.

ما يهدد دولة الوكلاء اليوم ليس القوة العسكرية لأي طرف، بل فقدانها لسرديتها التاريخية. لم تعد قادرة على إقناع الناس بأنها “الدولة”، أو أنها تمثل “الوطن”، أو أن بقاءها ضرورة للاستقرار. بل باتت، في نظر قطاعات واسعة، جزءاً أصيلاً من المشكلة، وعائقاً أمام أي أفق حقيقي للسلام.

إن أثمان التغيير التي دفعتها المجتمعات السودانية، من شهداء وجرحى ونازحين ومحرومين، ليست أثماناً يمكن مقايضتها بتسوية شكلية تعيد إنتاج الدولة القاتلة ذاتها. فهذه كلفة مختلفة، كلفة وعي وتجربة، يصعب اختزالها في اتفاقات نخب فوقية لا تمس جوهر الأزمة.

التسوية الحقيقية، إذا كانت ممكنة، لن تكون بين قوى مسلحة أو نخب سياسية فحسب، بل تسوية مع التاريخ، ومع ضحايا الدولة القديمة، ومع فكرة الدولة نفسها. تسوية تُنهي دولة الوكلاء، وتؤسس لدولة المواطنة المتساوية، دولة لا تُدار بعقلية الغلبة ولا بمنطق الامتيازات، بل بالقانون والعدالة والاعتراف المتبادل.

قد تطول هذه المعركة، وقد تتعثر، لكنها معركة وعي قبل أن تكون معركة قوة. ودولة 56، مهما بدت متماسكة ظاهرياً، تحمل في داخلها بذور هزيمتها، لأن الزمن لم يعد زمنها، ولأن الشعوب التي تغيّرت لا تعود إلى الوراء.

وفي النهاية، قد تُهزم المشاريع بالقوة، لكن الدول لا تُهزم إلا حين يفقد الناس إيمانهم بها. وهذا ما يحدث اليوم لدولة وكلاء الاستعمار في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!