حرب 15 أبريل في السودان: نزاع مُدار سياسياًبواسطة الحركة الإسلامية وجرائم دولية تستوجب المساءلة
عبدالعزير بخات المحامي والمستشار القانوني والمدافع عن حقوق الإنسان

عبدالعزير بخات المحامي والمستشار القانوني والمدافع عن حقوق الإنسان
إن نمط السيطرة السياسية على القوات المسلحة منذ انقلاب عام 1989، وما صاحبه من تصفيات مهنية وإقصاء تعسفي وعمليات قتل خارج نطاق القضاء، يشكل انتهاكاً لمبدأ حياد القوات المسلحة، ويؤسس لمسؤولية تنظيمية عن النتائج اللاحقة. وقد أكدت لجنة تقصي الحقائق الدولية بشأن دارفور (2005) أن تسييس الأجهزة النظامية يُعد عاملاً حاسماً في ارتكاب الجرائم الدولية، وهو ما ينطبق على الحالة السودانية من حيث إنشاء وتسليح كتائب إسلامية عقائدية خارج إطار القيادة العسكرية المهنية، في مخالفة واضحة لمبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة.
ومع اندلاع النزاع، في ١٥ أبريل تم توجيه العمليات العسكرية إلى مناطق مأهولة بالسكان، واستخدام الطيران الحربي والأسلحة الثقيلة داخل الأحياء السكنية، وهو ما يشكل خرقاً مباشراً لمبدأ التمييز المنصوص عليه في المادة (48) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، كما فسرته المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية Prosecutor v. Tadić (1995)، التي أكدت أن أي هجوم لا يميّز بين المدنيين والمقاتلين يُعد هجوماً غير مشروع.
وتُعد الهجمات العشوائية أو غير المتناسبةو آخرها في في كردفان انتهاكاً للمادة (51) من البروتوكول الإضافي الأول، وهو ما أكدته قضية Prosecutor v. Galić (ICTY، 2003)، حيث اعتبرت المحكمة قصف المناطق المدنية جريمة حرب حتى في حال وجود أهداف عسكرية محتملة. كما أن تدمير الأعيان المدنية، بما في ذلك الجسور والأسواق والمنازل، يخالف المادة (52) من البروتوكول ذاته، التي تحمي الأعيان المدنية من الهجوم ما لم تُستخدم استخداماً عسكرياً مباشراً.
أما استهداف المستشفيات والمرافق الطبية أو تعطيلها أو استخدامها في العمليات القتالية، فيشكل انتهاكاً جسيماً للمادة (18) من اتفاقية جنيف الرابعة، ويصنف كجريمة حرب بموجب المادة (8/2/ب/9) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وقد أكدت المحكمة الجنائية الدولية هذا المبدأ في قضية Prosecutor v. Bosco Ntaganda (2019)، التي اعتبرت الاعتداء على المنشآت الطبية جريمة حرب قائمة بذاتها، بغض النظر عن السياق العام للنزاع.
كما أن تدمير سبل العيش، ومنع الإغاثة الإنسانية، وخلق أوضاع تؤدي إلى المجاعة والنزوح الجماعي، يندرج ضمن الحظر الوارد في المادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول، التي تحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب. وقد تم تكريس هذا الحظر كقاعدة عرفية ملزمة في دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر حول القانون الدولي الإنساني العرفي (القاعدة 53).
واستخدمت الحركة الإسلامية خطاب الكراهية والتحريض العنصري بصورة منظمة، بهدف تعبئة المجتمع على أسس قبلية وإثنية، وتحويل النزاع إلى حرب مجتمعات، وهو ما يشكل انتهاكاً للمادة (20/2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف. وقد اعتبرت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا في قضية Prosecutor v. Nahimana et al. (2007) أن التحريض الإعلامي والعنصري يُعد مشاركة مباشرة في ارتكاب الجرائم الدولية.
وتؤدي هذه الأفعال، مجتمعة، إلى توصيف النزاع بوصفه هجوماً واسع النطاق أو منهجياً موجهاً ضد السكان المدنيين، وفق المادة (7) من نظام روما الأساسي، بما يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، تشمل التهجير القسري، والاضطهاد، والأفعال اللاإنسانية الأخرى. وقد أكدت المحكمة الجنائية الدولية في قضية Prosecutor v. Bemba (2016) أن وجود سياسة أو خطة عامة، حتى وإن لم تكن مكتوبة، يكفي لإثبات الطابع المنهجي للجريمة.
وتُحمِّل المادة (25) من نظام روما الأساسي المسؤولية الجنائية الفردية لكل من ارتكب أو أمر أو ساعد أو حرض على ارتكاب هذه الجرائم، بينما تقرر المادة (28) مبدأ مسؤولية القادة والرؤساء، مدنيين كانوا أم عسكريين، عن الجرائم التي ارتُكبت من قبل مرؤوسيهم إذا كانوا يعلمون أو كان ينبغي لهم أن يعلموا بها ولم يتخذوا التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها، وهو ما أكدته المحكمة في قضية Prosecutor v. Delalić et al. (Čelebići Case).
وقد أسفرت هذه السياسات عن كارثة إنسانية شاملة، شملت تشريد ملايين المدنيين، وانهيار النظام الصحي والتعليمي، وحرمان ملايين الأطفال من التعليم، في انتهاك للمادتين (28) و(38) من اتفاقية حقوق الطفل، إضافة إلى المساس بالحق في الصحة والغذاء والسكن المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، أسهم النزاع في زعزعة الاستقرار، وتفاقم أزمات اللجوء، وتهديد الأمن الغذائي، بما يضع هذه الجرائم ضمن نطاق الاختصاص الدولي، استناداً إلى مبدأ عدم الإفلات من العقاب، والولاية القضائية الدولية على الجرائم الأشد خطورة، كما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان في قرارات متعددة بشأن السودان.
إن هذه الوقائع، مقرونة بالإطار القانوني الدولي الناظم لها، تفرض على المجتمع الدولي، والمنظمات الحقوقية، واجب التحرك العاجل لتوثيق الانتهاكات، ودعم آليات التحقيق والمساءلة الدولية، وضمان محاسبة المسؤولين السياسيين والتنظيميين والعسكريين عنها، باعتبار ذلك شرطاً لا غنى عنه لتحقيق العدالة، وحماية المدنيين، ومنع تكرار هذه الجرائم في السودان والمنطقة
مع محاصرة نظام الإخوان المسلمين
وأعاده الحياه لشعب السوداني
نواصل بمشيئة الله




