رأي

بين استعادة الدولة القديمة وبناء الدولة الجديدة: قراءة في طرح د. سليمان بلدو حول إحياء أجهزة الدولة

بروفيسور خالد كودي ،، بوسطن

 

بروفيسور خالد كودي، بوسطن

في مقابلته مع راديو دبنقا بتاريخ 4 فبراير 2026، قدّم د. سليمان بلدو كالعادة قراءة جادة وموضوعية لمسار خطة السلام المطروحة من الرباعية، واعتبرها أول محاولة حقيقية لوقف الحرب. وقد تضمّن حديثه الكثير من النقاط المهمة، سواء في توصيف طبيعة الصراع، أو في تفكيك حسابات القوى الإقليمية والدولية، أو في إبراز الحاجة إلى حل سياسي شامل

غير أنّ فقرة واحدة في حديثه تستحق وقفة نقدية عميقة، لما تنطوي عليه من افتراضات تاريخية وسياسية لم تعد منسجمة مع الواقع السوداني الجديد، وهي قوله:

(يجب إحياء وجود أجهزة الدولة في مناطق الدعم السريع، خاصة التربية والتعليم والشرطة والخدمة المدنية، تجنبًا للانفصال)

هذه العبارة، رغم حسن نيتها الظاهر، تنطلق من منطقٍ قديم يرى أن وحدة السودان تُحمى بإعادة تمديد مؤسسات الدولة المركزية إلى الأطراف، وكأن الأزمة كانت دومًا في “غياب الدولة”، لا في طبيعتها ووظيفتها وبنيتها كما سنبين في هذا المقال.

أولًا: وهم “إحياء الدولة” في سياق دولة ماتت سياسيًا.

المشكلة الأساسية في هذا الطرح أنه يفترض أن أجهزة الدولة التي انهارت خلال الحرب هي أجهزة “محايدة” مرضي عنها ويمكن ببساطة إحياؤها وإعادتها إلى الخدمة، بينما الحقيقة التاريخية تقول غير ذلك.

الدولة السودانية منذ 1956 لم تكن دولة مواطنة، بل دولة:

– مركزية،

– إقصائية،

– قائمة على الامتياز،

– ومسنودة بعنف رمزي ومادي دائم.

وخلال سنوات الإنقاذ، تحوّلت هذه الدولة إلى نسخة أكثر تطرفًا:

– مؤدلجة دينيًا،

– عنصرية ثقافيًا،

– أمنية في بنيتها،

– وعدائية تجاه الهامش.

هذه الدولة لم “تنهَر” في الحرب الأخيرة، بل انكشفت نهايتها التاريخية!

وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نعيد أجهزة الدولة؟

بل: أي دولة نعيد؟ ولمصلحة من؟ وبأي شرعية؟

ثانيًا: المناطق المحررة وتحالف “تأسيس”: قطيعة مع دولة 56

في مناطق واسعة من كردفان ودارفور وغيرها، لم يعد الناس ينتظرون عودة الدولة المركزية. هناك واقع جديد يتشكّل، قوامه:

– سلطة سياسية محلية مرتبطة بميثاق ودستور تحالف “تأسيس”،

– إدارة مدنية ناشئة،

– نظم تعليم وأمن وخدمة عامة قيد البناء،

– وعقد اجتماعي جديد يقوم على:

– الديمقراطية،

– المواطنة المتساوية،

– العدالة التاريخية،

– واللامركزية الحقيقية.

هذه المناطق لم “تخرج” من الدولة، بل خرجت من الدولة القديمة!.

لقد تحرّرت من بيروقراطية الخرطوم، ومن وصاية المركز، ومن ثقافة الإذلال الإداري، ولن تسمح بعودتها تحت أي غطاء.

ثالثًا: التعليم بين السودان القديم والسودان الجديد

١/ التعليم في الدولة القديمة

سياسات التعليم في السودان القديم قامت على:

– مركزية المنهج،

– أيديولوجيا الهوية الواحدة،

– تهميش لغات وثقافات الهامش،

– تسييس المعرفة،

– عسكرة الوعي،

– وتجفيف التفكير النقدي وإشاعة الهوس الاسلامي

كانت المدرسة أداة ضبط، لا فضاء تحرر.

وكانت الجامعة حاضنة ولاء، لا مختبر معرفة.

إعادة هذه المنظومة إلى المناطق المحررة تعني إعادة إنتاج الأزمة من جديد، ولا يجب السماح بهذا تحت أي مسمي.

٢/ التعليم في السودان الجديد

في مناطق “تأسيس”، يجري العمل على بناء تعليم:

– لا مركزي،

– نقدي،

– متعدد الثقافات،

– مرتبط بحاجات المجتمع،

– ومتحرر من الأدلجة- مناهج علمانية!

تعليم لا يصنع “رعايا”، بل مواطنين.

ولا يلقّن، بل يحاور.

ولا يمجّد السلطة، بل يراقبها.

لهذا، لا يمكن القبول بعودة وزارة تعليم مركزية مؤدلجة إلى هذه المناطق.

رابعًا: الشرطة في السودان الجديد… من أداة قمع إلى خدمة عامة

١/ الشرطة في الدولة القديمة

الشرطة في السودان القديم كانت:

– ذراعًا للأمن،

– أداة لقمع الاحتجاج،

– وسلطة فوق القانون

– ارتبط اسمها بالخوف، لا بالحماية

٢/ الشرطة في المناطق المحررة

اليوم، يجري في مناطق “تأسيس” تدريب كوادر شرطية جديدة على:

– حقوق الإنسان،

– الخدمة المجتمعية،

– سيادة القانون،

– والرقابة المدنية.

– شرطة لحماية الناس، لا لحماية النظام

– إعادة الشرطة القديمة تعني إعادة دولة القمع.

خامسًا: الخدمة المدنية… نهاية عصر الامتياز

١/ الخدمة المدنية القديمة

قامت على:

– المحسوبية،

– التمكين،

– الامتياز الديني والجهوي،

– والإقصاء الاجتماعي كانت بوابة للنفوذ، لا للخدمة.

٢/ الخدمة المدنية الجديدة

في السودان الجديد، في هذا الوقت يجري تفكيك هذا الإرث، وبناء خدمة مدنية على أساس الكفاءة، التمثيل العادل، الشفافية، والمساءلة.

عصر “المجابهة” والوظيفة كغنيمة انتهى!

سادسًا: المساعدات الإنسانية… السيادة أولًا

أخطر ما في فكرة “إحياء أجهزة الدولة” هو محاولة تمريرها عبر المساعدات الإنسانية

كأنما يُراد استخدام الإغاثة كحصان طروادة لإعادة الدولة القديمة!

المبدأ الصحيح واضح:

أي دعم إنساني يجب أن:

– يمر عبر السلطات الدولية والمحلية الشرعية،

– لا عبر سلطة البرهان وكامل إدريس،

ولا عبر شبكات الهوس الديني والسماسرة

السيادة لا تُعلّق باسم الإغاثة!

سابعًا: واقع جديد لا يمكن القفز فوقه… ولماذا تصرّ النخب على إنكاره

ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد أزمة حكم أو فراغ إداري مؤقت، بل تحوّل جيوبوليتيكي–اجتماعي عميق أعادت فيه الحرب تشكيل موازين القوة، وأنماط الشرعية، ومصادر السيادة. لقد انهار النموذج الذي حكم البلاد منذ الاستقلال، ولم يعد بالإمكان ترميمه بالخطاب، أو بالوساطة، أو بالحنين المؤسسي.

نحن أمام واقع غير مسبوق في التاريخ السوداني الحديث:

– سلطتان فعليتان،

– مشروعان متناقضان،

– وبنيتان في طور التشكّل.

دولة قديمة تفقد قدرتها على الضبط والتمثيل،

ودولة جديدة تتكوّن من رحم الهامش والمجتمع المحلي والشرعية الثورية.

ومع ذلك، لا تزال قطاعات من النخب والمحللين تتصرّف كأن التاريخ يمكن أن يعود إلى ما قبل الانفجار، وكأن ما جرى مجرد “انحراف مؤقت” يمكن تصحيحه بإعادة تشغيل مؤسسات مهترئة، أو بإحياء صيغ سياسية فقدت معناها.

إنكار التحوّل والتشويش البنيوي للنخب: قراءة في لحظة التأسيس السودانية

لا يعود ميلُ قطاعاتٍ من النخب، والاكاديميين والمحللين إلى إنكار التحوّل الجاري في السودان دائمًا إلى سوء نية، بقدر ما يرتبط ببنية ذهنية–اجتماعية تشكّلت داخل الدولة القديمة نفسها. فقد بنت هذه النخب مواقعها الرمزية والمهنية داخل منظومة المركز، بحيث يعني الاعتراف بالتحوّل الإقرار الضمني بانتهاء صلاحية الامتيازات القديمة، وبأن المعرفة والسلطة لم تعودا حكرًا على الخرطوم ودوائرها المغلقة.

إلى جانب ذلك، يظهر شكلٌ من القصور التحليلي والارتهان للنماذج الجاهزة، حيث يُفضّل بعض الفاعلين إسقاط قوالب “الانتقال السياسي” الكلاسيكية أو تجارب دول أخرى، بدل مواجهة خصوصية اللحظة السودانية التي كسرت معظم الأطر النظرية المألوفة. ويتعزّز هذا الميل بحنينٍ إلى “الدولة المألوفة”، حتى حين تكون دولةً ظالمة، إذ يخشى كثيرون المجهول أكثر مما يرفضون الظلم، فيتشبثون بوهم الاستقرار القديم. كما يسهم سوء فهم طبيعة الحرب، بوصفها خللًا أمنيًا عابرًا لا حدثًا أعاد تشكيل المجتمع والدولة، في تكريس هذا الإنكار.

غير أن الحرب في السودان لم تغيّر موازين القوة العسكرية فحسب، بل أعادت رسم الجيوبوليتيكس الداخلية للدولة: خرائط النفوذ، وشبكات الاقتصاد، وأنماط الولاء، ومصادر الشرعية، وأشكال الإدارة المحلية. فقد ظهرت سلطات محلية، ونُظم حكم ناشئة، وعقود اجتماعية بديلة، لم تعد تنتظر تفويض المركز كي تعمل. وبذلك لم تعد السيادة مركزية، بل أصبحت موزّعة ومتفاوضًا عليها ميدانيًا. وتجاهل هذا التحوّل لا ينتج إلا سياسات عمياء، منفصلة عن شروط الواقع.

صحيح أن بعض الدعوات إلى “العودة إلى الدولة” تنطلق من حرص صادق على وحدة البلاد، غير أن حسن النية لا يعلّق قوانين التاريخ. فالدول التي تنهار أخلاقيًا وبنيويًا لا تُستعاد، بل تُستبدل، والمجتمعات التي تعيد اختراع نفسها في الحرب لا تعود إلى ما قبلها. وكل محاولة للرجوع إلى ما قبل 2023 ليست سوى شكل من أشكال الهروب من الواقع، لا مواجهته

في هذا السياق، تتشكّل اليوم شرعية جديدة في السودان: لم يعد المركز المصدر الوحيد للقرار، ولم يعد الهامش موضوعًا للسياسات بل فاعلًا في صنعها، ولم تعد الشرعية تُمنح من القصور، بل تُنتج في الميدان الاجتماعي والسياسي. ومن يرفض الاعتراف بهذه التحولات، سيظلّ يكتب عن بلدٍ لم يعد موجودًا، مستخدمًا لغة الماضي لتحليل واقعٍ يتجاوزها كل يوم.

خاتمة: من وهم الاستعادة إلى شجاعة التأسيس

إن طرح أستاذنا د. سليمان بلدو يعكس حرصًا وطنيًا صادقًا على وحدة السودان واستقراره، غير أنّه يظلّ—أسير تصورٍ تقليدي للوحدة في تقديري، يقوم على إعادة بسط “الأجهزة” المركزية بدل إعادة صياغة الدولة ذاتها. وهو تصور يفترض أن الأزمة كانت في غياب المؤسسات، لا في طبيعتها الإقصائية، ووظيفتها السلطوية، وتاريخها في إنتاج التهميش.

غير أن وحدة السودان الجديد لا يمكن أن تُبنى بإحياء مؤسسات فقدت مشروعيتها الأخلاقية والسياسية، ولا بإعادة تدوير بيروقراطية انهارت مع الدولة التي أنجبتها، بل بتأسيس مؤسسات جديدة تنبع من المجتمع، وتخضع لإرادته، وتعكس تنوّعه وحقوقه وتجربته التاريخية في المقاومة والبقاء.

المسألة، إذن، ليست أن “تعود الدولة إلى الهامش”، كما كان يحدث دائمًا في مسارات التحديث المشوّهة، بل أن تنتقل تجربة الهامش ووعيه السياسي والأخلاقي إلى قلب الوطن كله، وأن يصبح ما تعلّمته مناطق التهميش من التضامن، والاعتماد على الذات، والعدالة، والعيش المشترك، هو المرجعية الجديدة لبناء الدولة. هذه المرة، لا يُعاد إنتاج المركز في الهامش، بل يُعاد تأسيس الوطن كله على قيم الهامش المحرَّر.

بهذا المعنى، فإن مشروع “تأسيس” لا يمثّل نزعة انفصالية أو جهوية، بل هو في جوهره أعمق مشروع وحدوي عرفه السودان الحديث: وحدة تُبنى من القاعدة إلى القمة، من التجربة إلى الدستور، ومن الوعي إلى المؤسسة. وحدة لا تقوم على الإلحاق والهيمنة، بل على المساواة والاعتراف المتبادل، وهي وحدها القادرة على إنتاج سلام مستدام ودولة مواطنة حقيقية.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!