دفاعاً عن يوسف ادريس يوسف: في الرد على سهيبة مريش، الكاتبة التي تتحدث بما لا تعرف، وتغرد خارج السرب.
محمد اسماعيل البشر

وردنا المقال التالية ردا علي مقال الصحفية سهيبة مريش .. وإعمالا لمبدأ حرية الرأي والرأي الآخر ننشر مقال الكاتب كما هو مع تحفظ الصحيفة علي بعض المفردات .. وللكاتبة الحق في رد علي المقال
محمد اسماعيل البشر
طالعنا في صحيفة التنوير الغرّاء، مقال رأي منسوب للاستاذة سهيبة مريش، هذا إن جاز لنا تسمية تلك الركاكة بالمقال، تهاجم فيه رئيس الإدارة المدنية لولاية جنوب دارفور، الأستاذ يوسف إدريس، وبعيداً عن الدوائر المظلمة والمعلومة لدينا التي تحركها، رأينا من الواجب تبصير الرأي العام بالمغالطات التي وردت في ذلك المقال الملغوم، التي تكشف جهل الكاتبه، ومن خلفها الغرف المظلمة، بأساسيات مهام الادارة المدنية، وحجم التفويض الممنوح لها، وعدم معرفتهم بابجديات الحكم والإدارة، وتغاضيها عمداً عن المهام والقضايا الأساسية التي تم انجازها خلال تولي الأستاذ يوسف ادريس قيادة العمل التنفيذي. فالمقال تجاوز عمداً الواقع الموضوعي للحرب، وتعامل مع الولاية وكأنها تعمل في ظروف دولة مستقرة ذات مركز مالي واقتصادي متكامل، وهو افتراض مضلل وخطير.
أولاً نشأت الأدارات المدنية كاستجابة ضرورية وطارئة، لسد الفراغ الذي خلفته الحرب، بعد هزيمة دولة ٥٦ وسحقها في المناطق المحررة، بتفويض محدود لاستعادة الحياة وأساسياتها، في ظل استمرار الحرب والاستهداف الممنهج من قبل عصابة بورتسودان، لمناطق سيطرة الدعم السريع، وجاء تفويضها بموجب وثيقة المجلس الأعلى للإدارات المدنية، للقيام بثلاثة مهام رئيسية، (حفظ الأمن، توفير الخدمات الأساسية، واستقطاب المساعدات الانسانية للشرائح الضعيفة).
حفظ الأمن: عندما استلم الاستاذ يوسف إدريس مهام رئيس الادارة المدنية، قبل عشرة اشهر من الآن، كانت مدينة نيالا تضج بالفوضى وانتشار السلاح وانعدام الأمن، وهو أمر يعرفه كل سكان الولاية، خصوصاً بعد خروج وإعادة تموضع قوات الدعم السريع من الوسط والخرطوم. استطاع يوسف ادريس وفريق عمله، خلال وقت وجيز، باعتباره رئيس لجنة أمن الولاية، بالشراكة مع قيادة قوات الدعم السريع وقوة حماية المدنيين، من تحويل ولاية جنوب دارفور وحاضرتها نيالا، إلى عاصمة حقيقية، حيث اختفت بدرجة كبيرة الظواهر السالبة، واستعادت نيالا عافيتها كمدينة مركزية في القرار السياسي في السودان.
الخدمات: لقد تعمد جيش الحركة الاسلامية الارهابي تدمير البنى التحتية والخدمية بصورة كاملة في مدينة نيالا، من مستشفيات ومدارس ومحطات كهرباء ومياه والدواوين الحكومية، فضلاً عن قتل الانسان بصورة ممنهجة، عندما استلم يوسف ادريس الولاية كان بها مستشفى واحد في الخدمة، الآن يوجد أكثر من ١٢ مستشفى ريفي يعمل في ١٢ محلية، وخمسة مستشفى رئيسي يعمل داخل مدينة نيالا، حيث شهد النظام الصحي استقراراً معقولاً، رغم التحديات القائمة، بعد أن كان معدوماً بالكامل، ثم شرعت الولاية الآن في توريد المحاليل الوريدية ومحاليل غسيل الكلى وصيانة ماكينات الغسيل، بعد رفض عصابة بورتسودان السماح لمنظمة الصحة العالمية من العمل في مناطق السيطرة.
التعليم: ما قبل الحرب كان عدد الممتحنين في المرحلتين الابتدائي والمتوسط في ولاية جنوب دارفور ٢٠ ألف طالب وطالبة، عندما استلم يوسف ادريس مهام الولاية كان عدد الممتحنين٧ ألف، الآن وبفضل مجهود مسؤولي التعليم واشراف رئيس الإدارة المدنية، يجلس عدد ٢٥ ألف طالب وطالبة لامتحانات الابتدائي والمتوسط، بزيادة ٥ ألف عن فترة ما قبل الحرب. هذه معلومات لم تسمع بها المدعوة سهيبة، بل لا تعرف قيمتها عندما تسمعها، لأنها غارقة في جهلها. فالتعليم الابتدائي والمتوسط هو شأن ولائي، وحتى المدارس الثانوية شهدت استقراراً وحضور متميزاً ، أما امتحانات الشهادة الثانوية فهي شأن قومي وهو أمر نتمنى من وزير التربية والتعليم بحكومة تأسيس أن يضعه في سلم أولوياته. كل هذه المهام تم انجازها في ظل شح الميزانية، وذهاب معظم الايرادات على قلتها لمحور حفظ الأمن والاستقرار. فجنوب دارفور ليست ولاية عادية، بل هي رئاسة حكومة تأسيس، وتتحمل اعباء سياسية وأمنية أكبر من امكانياتها.
المياه: أزمة المياه في جنوب دارفور أزمة قديمة سبقت الحرب، وحلها الجذري يكمن في تفعيل مشروع مياه حوض البقارة الذي قتلته الانظمة المتعاقبة، فالادارة المدنية لم ترث مشروعاً جاهزاً بل أزمات متراكمة، ومع ذلك، وفرت الإدارة المدنية أكثر من 10 محطات مياه، وحولت التشغيل من الجازولين إلى الطاقة الشمسية، ورفعت نسبة تشغيل مياه نيالا إلى 60 بالمئة، وتعمل للوصول إلى 80 بالمئة بحلول مارس القادم، مع حفر محطات جديدة ومعالجة مشكلات المحطات القديمة في معظم المحليات، هذا جه لا يمكن وصفه بالفشل إلا بسوء نية.
المرتبات واستحقاقات العاملين، تحدثت المدعوة عن الاستحقاقات وهي لا تعرف الفرق بين بنود صرف الفصل الأول من الفصل الثاني، فالمرتبات ليست مادة للمزايدة، ولاية جنوب دارفور تضم 35 ألف موظف قبل الحرب. يعمل الآن ٨ ألف منهم، وتقوم الولاية بدفع حوافز مالية شهرية لهم تساوي مرتباتهم، فالولاية لا تملك ايرادات تغطي جميع الرواتب، موارد محدودة يذهب معظمها للأمن. ومعلوم أن مسؤولية مرتبات الفصل الأول تقع على عاتق حكومة “تأسيس” المركزية، وليست الادارة المدنية. استخدام معاناة الموظفين كورقة سياسية هو سقوط اخلاقي قبل أن يكون خطأً معرفياً. رغم ظروف الحرب، تعمل الولاية بنظام حوكمة فعال، وتمتلك نظاماً مالياً دقيقاً، خزينة مالية، مراجعة، جهاز تشريعي، موازنات مجازة، وتقارير أداء شهرية. هذه ليست شعارات بل مؤسسات تعمل رغم الصعوبات الموضوعية المحيطة. كل هذه المشروعات والقضايا التي تمت معالجتها حدثت بالموارد الذاتية الشحيحة التي تم ترشيدها لتغطية الاحتياجات الرئيسية.
قامت الإدارة المدنية بمساهمات محورية في دعم علاج الجرحى ومعالجة قضاياهم، بالاضافة لصيانة كافة دواوين الدولة ومؤسساتها، بما في ذلك المساهمة الفعالة في صيانة القصر الرئاسي، استعداداً لاستقبال حكومة تأسييس، وهي الإدارة الوحيدة من بين جميع الإدارات المدنية التي أوفت بالتزامها في هذا الصدد، ثم اطلقت الولاية أهم مشروع لدعم الشرائح الضعيفة بتمويل من منظمة NRC لدعم رغيف الخبز، حيث اصبح الآن ٨ رغيفات بسعر ألف جنيه، بدلاً من ٤ رغيفات في السابق.
ختاماً: الادارة المدنية في جنوب درافور، مثلها مثل كل الإدارات المدنية، بدأت من الصفر، من ظل الشجر، واليوم تعمل من المكاتب، وكل الوزارات والمؤسسات العدلية والقضائية والجمارك والمرور والسجل المدني (سجل المواليد والوفيات) تعمل بتنسيق وكفاءة عالية، الأمر الذي حاولت عصابة بورتسودان منعه وتعطيله بكافة الطرق. المؤسف أن البعض لا يرى الجانب المشرق في هذه التجربة المحترمة، بل ويتعمد اختلاق السلبيات من العدم، بدلاً من تطوير الايجابيات أو حتى الاعتراف بها. وهنا يجب أن يقال بوضوح: مسؤولية حماية وصيانة حقوق المواطنين في مناطق السيطرة، ليست مسؤولية الإدارات المدنية وحدها، بل مسؤولية اخلاقية للجميع خصوصاً الكتاب والمثقفين والاعلاميين الذين يفترض ألا يكونوا أدوات للهدم.
أخيراً: التحية لكافة رؤساء الإدارات المدنية وفرق عملهم، الذين تصدوا للمسؤولية في وقتٍ كان الجبناء يتحدثون من الصفوف الخلفية، أما النقد والرأي الآخر، فهو حق أصيل بل وضرورة في إطار مشروع التغيير، لكن النقد بلا اعتراف بالواقع أو بدوافع وأجندات خاصة، يتحول الى أداة تضليل، فالمرحلة الحالية تحتاج الى خطاب مسؤول يرى التحديات كما يرى الجهود المبذولة، ويضع مصلحة المواطن فوق المكايدات السياسية، ومن لا يستطيع قول الحقيقة كاملة، فليصمت.
وإن عدتم عدنا




