رأي

العاطفة والعقل في المجتمع السوداني: قراءة تحليلية في البنية الاجتماعية والانقسامات المستمرة

مؤيد الامين

 

مؤيد الأمين

مقدمة

المجتمع السوداني، بتنوّعه الكبير وتاريخه العريق، ظلّ على الدوام يعيش حالة من التناقض بين وحدته الظاهرية وانقساماته الداخلية. فعلى الرغم من تشابهه القبلي والاجتماعي والديني، إلا أن انقساماته تتكرر مع كل حدث سياسي أو اجتماعي جديد، وكأنها قدر لا مفرّ منه.

هذا المقال يحاول تفكيك البنية العاطفية والاجتماعية للمجتمع السوداني، ويفسّر كيف لعبت العاطفة دورًا محوريًا في تشكيل وعيه الجمعي، بل وفي تعطيل العقلانية لصالح الانفعال اللحظي، مما جعله مجتمعًا سهل التأثير من قِبل القوى السياسية والرموز الدينية والشعبوية منذ فجر تاريخه الحديث.

أولًا: الجذر التاريخي للمجتمع العاطفي

منذ العصور القديمة، عاش السودانيون في مجتمعات زراعية رعوية تعتمد على التضامن القبلي والعلاقات الوجدانية أكثر من المؤسسية أو العقد الاجتماعي المكتوب.

فالقبيلة كانت الدولة الأولى، والشيخ أو العمدة هو الحاكم والرمز، والعلاقة بين الناس تُبنى على الدم والقرابة والمروءة، لا على فكرة المواطنة والحقوق القانونية.

بهذا التكوين، تشكّل وجدان السوداني على قاعدة “العاطفة قبل العقل”، وأصبحت المشاعر الجمعية — مثل الكرم، النخوة، الشهامة، والانتصار للأقارب — هي المحرك الأساس للسلوك الاجتماعي، حتى في القضايا التي تحتاج إلى التفكير المنطقي والتخطيط.

ثانيًا: بنية المجتمع ومفارقاته

يتكون المجتمع السوداني من نسيج واسع من القبائل والمجموعات الثقافية المتشابهة في الملامح والعادات والتقاليد، ولكنها في الوقت نفسه تعيش حالة من التنافس والتميّز الذاتي المفرط.

فكل مجموعة ترى في نفسها “الأصل”، وفي الأخرى “الفرع” أو “الطارئ”.

وهذه الذهنية عززت الانقسام النفسي، وجعلت روح “الاختلاف من أجل التميّز” أقوى من فكرة “الاتحاد من أجل البقاء”.

ورغم أن معظم هذه المكونات تشترك في اللغة والدين والعادات، إلا أن العاطفة الجمعية تعمل عمل “المغناطيس المزدوج” — تجذب وتصد في الوقت ذاته.

فهي تجمع الناس في لحظات الحزن أو الفرح أو الحرب، ثم تفرّقهم سريعًا حين تتبدل المصالح أو تُثار النعرات.

ثالثًا: غَذاء العاطفة السودانية

العاطفة في السودان ليست مجرد شعور عابر، بل هي نظام حياة متكامل.

تغذيها عوامل متعددة:

1. الخطاب الديني الشعبي

الذي يميل إلى الوعظ العاطفي أكثر من التفكير العقلي، ويربط الإيمان بالانفعال لا بالوعي.

فالكثير من الأئمة والخطباء يعتمدون على قصص الكرامات والبطولات الروحية بدلاً من النقاش العقلي في القضايا العامة.

2. التراث الصوفي

الذي يشكّل وجدانًا دينيًا عميقًا في السودان، جعل العلاقة بين الإنسان وربه علاقة وجدانية، يغلب عليها التسليم لا التساؤل.

ومع ما يحمله التصوف من جمال روحي، إلا أنه في بعض الأحيان عطّل ملكة النقد وفتح الباب لسيطرة الرموز على العقول باسم “البركة”.

3. القصص الشعبية والأمثال

التي تُعيد تدوير القيم ذاتها: “الرجالة”، “الكرم”، “الطاعة للكبير”، “إكرام الضيف”، وهي قيم نبيلة لكنها تُغلف دائمًا بطابع عاطفي يجعل الفعل نابعًا من الشعور لا من التفكير.

4. الذاكرة الجمعية للحروب والمآسي

فقد عاش السودان على وقع الحروب والنزاعات الداخلية لعقود، مما جعل العاطفة أداة للبقاء، وأصبح “الانفعال الجماعي” نوعًا من آلية الدفاع الاجتماعي في مواجهة الألم.

رابعًا: العاطفة في مقابل العقلانية

حين تنظر إلى التاريخ السياسي السوداني، ترى أن العاطفة كانت اللاعب الأبرز في كل التحولات:

في ثورة أكتوبر 1964 خرج الناس بدافع الغضب الجمعي، لا برؤية استراتيجية لما بعد الثورة.

وفي أبريل 1985 تكرر المشهد ذاته، إسقاط النظام قبل بناء البديل.

وفي ثورة ديسمبر 2018 كانت الحشود تتحرك بقوة المشاعر الوطنية والظلم المتراكم، لكن القوى السياسية لم تمتلك خارطة طريق واضحة لما بعد إسقاط النظام.

بهذا، يمكن القول إن السودان يعيش دورات من الانفعال الثوري دون الإصلاح المؤسسي، لأن العقل الجمعي لا يزال يقدّس العاطفة ويخشى التفكير النقدي المنظم.

خامسًا: تعطيل العقلانية… مسؤولية من؟

ليس المواطن وحده من يُغذّى على العاطفة، بل المنظومة السياسية نفسها تبني شرعيتها عليها.

فكل تيار سياسي أو ديني في السودان يستغل العاطفة الجمعية لتثبيت سلطته:

الإسلاميون، منذ انقلاب 1989، بنوا مشروعهم على استثارة المشاعر الدينية وربط معارضيهم بـ”العداء لله”.

الحركات المسلحة خاطبت الغضب القبلي والمناطقي أكثر من الخطاب الوطني الجامع.

وحتى الأحزاب التقليدية اعتمدت الولاء الطائفي والعاطفي لا البرامج السياسية العقلانية.

وهكذا صارت “العاطفة” هي العملة السياسية السائدة، و“العقل” مجرد سلعة نادرة في سوق مضطرب.

سادسًا: الانشقاقات رغم التشابه

قد يبدو غريبًا أن مجتمعات متشابهة في اللغة والعادات تنقسم بهذه الحدّة، لكن الإجابة تكمن في أن العاطفة حين تحل محل العقل تُنتج تضخمًا في “الأنا الجمعية”.

فكل قبيلة أو جهة أو تيار يشعر أنه “الأصدق، والأحق، والأقرب إلى الحقيقة”، بينما يرى الآخرين في خانة “الخطأ أو الخيانة”.

وهذا النمط من التفكير العاطفي لا يسمح بالحلول الوسط أو التسويات، بل يخلق ثقافة “المعركة المستمرة”، حتى داخل البيت الواحد أو التنظيم الواحد.

ولذلك ترى الانشقاقات تتكرر في الأحزاب والحركات والكيانات المدنية كما تتكرر في المجتمع نفسه.

سابعًا: نحو مجتمع متوازن بين العاطفة والعقل

ليس المطلوب أن يتحول السوداني إلى إنسان بارد خالٍ من المشاعر، فالعاطفة جزء من إنسانيته وكرمه، وهي ما يجعله محبوبًا ومتسامحًا.

لكن المطلوب هو إعادة توجيه العاطفة لتكون طاقة بناء لا وقود صراع.

ولذلك لا بد من:

1. إصلاح التعليم بحيث يُنمّي التفكير النقدي، لا الحفظ والتلقين.

2. تحرير الخطاب الديني من الانفعال المفرط إلى التنوير الواعي.

3. دعم الإعلام العقلاني الذي يقدّم المعلومة لا الإثارة.

4. ترسيخ مفهوم المواطنة بدل الانتماءات الضيقة.

5. خلق ثقافة حوارية جديدة تقوم على “الاختلاف من أجل التطوير” لا “الاختلاف من أجل الانتصار”.

خاتمة

المجتمع السوداني ليس بدائيًا بمعنى التخلف، بل هو مجتمع “وجداني” لم يمر بعد بتجربة عقلانية مؤسساتية متكاملة.

إنه يملك من القيم ما يجعله من أكثر الشعوب استعدادًا للنهضة، لكنه بحاجة إلى تحرير عواطفه من أسر التوجيه السياسي والديني، وإعادة توجيهها نحو مشروع وطني عقلاني جامع.

حينها فقط يمكن للسودان أن يخرج من دوامة الانقسامات ويعيد للعاطفة معناها الإنساني النبيل، لا السياسي المضلِّل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!