
عبدالعزير بخات المحامي
والمدافع عن حقوق الإنسان
إلى حكماء السودان
إلى العلماء والأكاديميين
إلى حملة المعرفة والضمير
إلى من أوكلت إليهم مسؤولية الوعي والقول الفصل
لقد اندلعت الحرب في قلب العاصمة السودانية الخرطوم صباح يوم السبت الموافق الخامس عشر من أبريل عام ألفين وثلاثة وعشرين بكل ما تحمله الكلمة من قسوة وعنف وتجرد من الإنسانية حرب لم تكن حدثا عابرا بل جريمة ممتدة استباحت الإنسان والمكان والزمان
كان الموت في كل مكان وكان الدمار شاملا طال الاقتصاد الوطني والبنية التحتية المتهالكة أصلا قبل الحرب ثم تمددت النيران بلا رحمة إلى كل أقاليم السودان تحصد أرواح الشباب السوداني وتشرد المواطنين وتدمر الزرع وتقتل سبل العيش أمام أعين الجميع
أصبح الشعب السوداني بين نازح داخل وطنه ولاجئ في دول الجوار ونصف آخر يواجه الموت جوعا أو حرمانا من العلاج أو يسقط برصاص طائش أو قذيفة عمياء حرب استوردت الموت ونهبت الموارد بما فيها أخطر الموارد الموارد البشرية فتم تشريد الكوادر ونزوح العقول وموت البعض وتصنيف البعض الآخر وضياع ما تبقى
وهنا يثور السؤال القانوني والأخلاقي الجوهري
أين المثقفون
أين الأكاديميون
أين أصحاب الحكمة والمعرفة
هل انتهى دورهم
لماذا لم ترفع الأصوات عاليا لوقف هذه الحرب
لماذا هذا الصمت المريب
إن الصمت في مثل هذه اللحظة ليس حيادا بل موقف وليس حكمة بل تقاعس وليس تعقلا بل تخلي عن المسؤولية التاريخية فاليوم السودان في حرب وقد تقف اليوم أو غدا لكن إن استمر هذا الصمت فقد لا نجد السودان نفسه غدا
إن ما يجري في السودان لا يمكن توصيفه إلا بوصفه نزاعا مسلحا داخليا يخضع لأحكام القانون الدولي الإنساني ويقع تحت طائلة المساءلة القانونية الدولية وفق ما نصت عليه اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977
حيث تنص المادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف على حظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية بجميع أشكالها بما في ذلك القتل والتشويه والمعاملة القاسية والتعذيب كما تحظر الاعتداء على الكرامة الشخصية والمعاملة المهينة والحاطة بالكرامة وتوجب حماية المدنيين في جميع الأوقات
كما ينص البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 في مادته 4 على الحماية الأساسية للأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية ويؤكد حظر العنف ضد حياتهم وصحتهم البدنية والنفسية ويحرم التهجير القسري للسكان المدنيين
وتنص المادة 13 من البروتوكول ذاته على وجوب حماية السكان المدنيين من أخطار العمليات العسكرية وتحظر جعلهم هدفا للهجوم أو استخدامهم دروعا بشرية أو تعريضهم للتجويع كوسيلة من وسائل الحرب
كما تقر المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بأن القتل العمد والإبادة والتهجير القسري والاضطهاد وحرمان السكان من الموارد الأساسية يشكل جرائم ضد الإنسانية إذا ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد سكان مدنيين
وتنص المادة 8 من نظام روما الأساسي صراحة على أن تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين أو الأعيان المدنية بما في ذلك المنشآت الطبية والتعليمية والبنى التحتية يعد جريمة حرب مكتملة الأركان
كما تؤكد المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل إنسان في مستوى معيشي كاف يكفل له ولأسرته الصحة والرفاهية بما في ذلك الغذاء والمسكن والرعاية الطبية وهو حق يتم انتهاكه يوميا في السودان بفعل استمرار الحرب
وتنص المادة 28 من الإعلان ذاته على أن لكل فرد حق التمتع بنظام اجتماعي ودولي تتحقق فيه الحقوق والحريات كاملة وهو ما يجعل من الصمت على تدمير الدولة والمجتمع تواطؤا أخلاقيا ومعنويا
وعليه فإن استمرار الحرب يمثل خرقا صريحا لهذه القوانين والأعراف الدولية ويضع كل من يبررها أو يصمت عنها أو يمتنع عن إدانتها العلنية في دائرة المسؤولية الأخلاقية والتاريخية وربما القانونية
وعليه فإننا نحمل حكماء السودان وعلماءه ومثقفيه وأكاديميه مسؤولية أخلاقية ووطنية مباشرة ونطالبهم صراحة بلا مواربة بأن يتحملوا واجبهم ويرفعوا أصواتهم بوضوح وقوة مطالبين بوقف الحرب فورا ودون شروط
لأن الطلاب والطالبات اللاجئين والنازحين والمشردين هم أبناؤكم
ولأن الضحايا هم أبناء هذا الوطن
ولأن دفن الرؤوس في الرمال لم يعد خيارا
ولأن الصمت لم يعد مقبولا
كيف يعقل أن يصمت من ينادي بوقف الحرب
ويترك المجال لمن ينادي باستمرارها وتأجيجها وإشعالها
كفي
الحرب يجب أن تتوقف الآن
لأن استمرارها جريمة
ولأن الصمت عليها مشاركة
ولأن التاريخ لن يرحم الصامتين
بتاريخ
٤/فبراير /٢٠٢٦
نواصل
بمشيئة الله




