
أدهم الضهيب
يظل مستشفى نيالا التعليمي واحدًا من أهم أعمدة النظام الصحي في ولاية جنوب دارفور، وملاذًا أخيرًا لآلاف المرضى القادمين من المدينة والريف ومعسكرات النزوح على حد سواء. وعلى الرغم من الظروف الاستثنائية التي تمر بها الولاية، من حرب وانفلات أمني وانهيار اقتصادي، نجح المستشفى – بجهود شبابية مخلصة ودعم ملحوظ من المنظمات الإنسانية – في الحفاظ على حدٍّ أدنى من الخدمات الصحية، بل وتحقيق قدر من التحسن جعله الوجهة الطبية الأولى في الإقليم.
غير أن هذا الصمود، الذي تحقق بعرق العاملين وتضحيات الشركاء الإنسانيين، بات مهددًا اليوم ليس بسبب شح الموارد، وإنما نتيجة إخفاق إداري عميق، وعقلية إدارة حولت مرفقًا عامًا حيويًا إلى مساحة لتضارب المصالح وتغليب الحسابات الخاصة على الحق العام.
من الخدمة العامة إلى الخصخصة المقنّعة
تكمن الإشكالية الأساسية في التحول التدريجي للفكر الإداري داخل وزارة الصحة ومستشفى نيالا من منطق الخدمة العامة إلى منطق السوق. هذا التحول لا يُعلن صراحة، لكنه يتجسد في ممارسات يومية تفرغ المؤسسة من مضمونها الاجتماعي، وتحولها إلى كيان يُدار بشكل انتقائي يخضع للمزاج الشخصي والنفوذ الإداري.
أبرز مظاهر هذا الخلل يتمثل في الصيدلية الخاصة داخل المستشفى، التي كان يفترض أن تكون جزءًا من منظومة تخفيف العبء عن المرضى، فإذا بها تتحول إلى مشروع استثماري يدر عوائد مالية لصالح جهات بعينها، دون شفافية واضحة حول أوجه صرف هذه العوائد أو علاقتها بتحسين الخدمة الصحية. وبدل أن تكون الصيدلية أداة دعم، أصبحت – في نظر كثيرين – عنوانًا لخصخصة مستترة داخل مرفق عام.
مشاريع بلا أثر وموارد مهدرة
ولا يقل خطورة عن ذلك ما يُعرف داخل أروقة الوزارة بـ فوضى الأختام والمشاريع، حيث تُستغل الصلاحيات الرسمية واسم وزارة الصحة في التواصل مع المنظمات الدولية لتقديم مشاريع لا تنعكس على أرض الواقع، ولا يشعر المواطن بأثرها المباشر. هذه الممارسات لا تمثل فقط تضليلًا للمانحين، بل تشوه كذلك سمعة العمل الإنساني، وتضعف ثقة الشركاء الدوليين في المؤسسات المحلية.
في المقابل، تشير معطيات موثوقة إلى توفر ميزانيات مخصصة لأقسام حيوية داخل المستشفى، مثل النساء والتوليد، والباطنية، وغيرها، إلا أن هذه الموارد لا تُستثمر بالكفاءة المطلوبة، بسبب صراعات إدارية داخلية، وحروب كراسي تستنزف الوقت والطاقة، بينما يدفع المواطن الثمن تأخيرًا في العلاج أو حرمانًا من الخدمة.
الطبيب بين الأمانة والمصلحة
الأزمة هنا ليست تقنية ولا مالية بحتة، بل أخلاقية في المقام الأول. فحين تتحول “أمانة الطبيب” إلى “عقلية تاجر”، يصبح المريض رقمًا في معادلة الربح والخسارة، وتفقد المؤسسة الصحية وظيفتها الإنسانية. وهذا أخطر ما يواجه النظام الصحي في جنوب دارفور اليوم: أن تُدار صحة الناس باعتبارها فرصة استثمارية، لا حقًا أصيلًا.
نداء للمساءلة والتدخل العاجل
إن استمرار هذا الوضع يضع صحة المواطن في دائرة الخطر، ويجعلها رهينة لمزاج بعض الإداريين ومصالحهم الخاصة. وهو ما يستدعي تدخلًا عاجلًا من الجهات الرقابية على المستويين الولائي والاتحادي، لإعادة ضبط مسار الإدارة الصحية، ووضع حد صارم لتضارب المصالح، وتفعيل مبادئ الشفافية والمحاسبة.
مستشفى نيالا التعليمي لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى حوكمة رشيدة تحميه من العبث، وتضمن أن تصل المساعدات الطبية والإنسانية إلى مستحقيها، وأن يُدار هذا المرفق الحيوي بروح المسؤولية، لا بعقلية السوق. فصحة المواطن ليست سلعة، ومن يتعامل معها كذلك إنما يفرط في أحد أبسط حقوق الإنسان.




