
هيثم عبدالله محمد ،، كمبالا
القوى السياسية المدنية هي تلك التي تعرف بالقوى التي تعمل في المجال السياسي المدني وتسعى للحكم في السودان، وفي طبيعتها لا تحمل بنية ديمقراطية في تكويناتها، مما جعلها عقبة كؤود أمام البناء الديمقراطي في السودان. وهذا التعريف مبني في سياق محاولة كثير من القوى السياسية السودانية، بعد حرب 15 أبريل 2023، الهروب من واقع مناقشة الأسباب الجوهرية والحقيقية لنشوب هذه الحرب، ومواجهة الحقائق بشجاعة لإيجاد حلول جذرية لهذه الأسباب، وبالتالي وضع نهاية لهذه الحروب لتكون آخر حرب يشهدها الوطن السودان بجغرافيته الحالية والآنية.
أما القوى الديمقراطية فهي تلك القوى التي تتبنى الديمقراطية كمنهج ونموذج حكم، وتعني بإقامة النظام الديمقراطي في السودان، وهي قوى مدنية وعسكرية، وتسعى بكل السبل لإقامة الحكم المدني الديمقراطي في السودان. وهي القوى التي تؤمن بضرورة الحكم المدني الديمقراطي، وهذه الديمقراطية ليست نظام حكم للدولة فقط، وإنما تُبنى عليها مؤسسات المجتمع المدني.
ومن المهم التمييز بدقة بين القوى السياسية المدنية والقوى الديمقراطية، فليس كل ما هو مدني بالضرورة ديمقراطي. كثير من الأحزاب السودانية التاريخية—رغم عملها في المجال المدني—تعاني من اختلالات داخلية مثل ضعف المؤسسية وانعدامها في أغلب القوى السياسية المدنية، ولعل أغلب القوى السياسية التي تتسيّد المشهد السياسي في السودان لم تعمل على عقد مؤتمراتها العامة منذ سنوات عدة. وهيمنة الزعامات التقليدية ذات الخلفيات والسند الديني الطائفي والعشائري، وغياب التداول القيادي. وأغلب القوى السياسية التي تعمل على تغيير قادتها، فإن هذه العملية تؤدي إلى انقسام حزبي وانشقاقات متتالية تضعف من مضمون الممارسة السياسية، وهو ما يجعلها عمليًا غير ديمقراطية في بنيتها، حتى وإن رفعت شعارات ديمقراطية.
هذه المفارقة تفسر لماذا تحولت بعض هذه القوى إلى جزء من المشكلة بدلاً من أن تكون أداة للحل. في المقابل، القوى الديمقراطية تُعرَّف ليس بشعاراتها فقط، بل بممارساتها الداخلية والتزامها الحقيقي بمبادئ مثل: التداول السلمي للسلطة، الشفافية والمساءلة، احترام التعددية، وربط الشرعية بالإرادة الشعبية.
دور القوى الديمقراطية في السودان يمكن تلخيصه تحليليًا في ثلاثة مستويات:
1. إعادة بناء الشرعية السياسية.
2. إصلاح البنية الحزبية نفسها (انتخابات داخلية حقيقية، فصل السلطات داخل التنظيم، تمكين الشباب والنساء).
3. قيادة مشروع وطني جامع (عقد اجتماعي جديد).
والقوى الديمقراطية مطالبة بصياغة مشروع يتجاوز:
الانقسامات القبلية
الاستقطاب الأيديولوجي
مركزية السلطة
ويؤسس على مشروعية الدولة التي تقوم على المواطنة المتساوية.
المشكلة في السودان ليست فقط غياب القوى الديمقراطية، بل ضعف مصداقيتها وتناقض ممارساتها مع خطابها. لذلك، نجاح أي مشروع ديمقراطي مرهون بقدرته على:
كسر إرث النخب التقليدية
بناء تنظيمات حديثة ذات رؤى برامجية وتقدمية
والالتزام الفعلي بالديمقراطية، وليس في إطارها النظري والتعريفي وديباجات الأحزاب




