
سهيبة مريش
القائد الحقيقي هو من يجعل إنسانيته بوصلته، قبل أن يجعل السلطة غايته
في منعطفات التاريخ الكبرى، لا تصنع التحولات العميقة بالخطابات وحدها ولا بالقوة المجردة، بل بقادة يمتلكون القدرة على قراءة الواقع والتفاعل معه بوعي إنساني وأخلاقي. وفي هذا السياق، تبرز شخصية الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) بوصفها نموذجًا مختلفًا للقيادة، تشكّل وعيه من رحم المجتمع، وصاغت تجربته الميدانية رؤيته للتغيير والتحرير، في مسار يزاوج بين الحسم والمسؤولية، وبين القوة والإنسانية.
لم يأتِ حميدتي إلى المشهد من بوابات النخب التقليدية، بل صعد من واقع اجتماعي بسيط، متصل بالبيئة المحلية وهمومها اليومية. هذا المسار غير النمطي منحه ميزة نادرة: فهم الناس قبل قيادتهم. فالقيادة التي تنبع من معرفة حقيقية بالمعاناة لا تتعامل مع المجتمع بوصفه أرقامًا أو شعارات، بل كحكايات بشرية حية، لكل واحدة منها حق في الكرامة والإنصات. من هنا تشكّلت ملامح قائد ميداني يدرك أن التغيير لا يُفرض من أعلى، بل يُبنى من القاعدة الاجتماعية نفسها.
تتجلى إنسانية حميدتي في قدرته على التواصل المباشر، وفي تواضعه الذي يكسر الحواجز بين القائد والمجتمع. فالاستماع، في تجربته، ليس مجاملة سياسية، بل أداة حكم وإدارة. وقد انعكس هذا النهج في اهتمامه بالقضايا المعيشية والاجتماعية، إدراكًا منه بأن الأمن والاستقرار لا ينفصلان عن العدالة الاجتماعية وتحسين شروط الحياة. إن هذا الربط بين الأمن والكرامة الإنسانية يمثل حجر الزاوية في فهمه لمفهوم التحرير؛ تحرير الإنسان من الخوف، ومن الإقصاء، ومن الشعور بالتهميش.
وفي لحظات الأزمات، تُختبر القيادات حقًا. هنا يبرز بعد آخر من شخصية حميدتي، يتمثل في سرعة الاستجابة والسعي إلى احتواء التداعيات الإنسانية للمحن. فالقائد، وفق هذه الرؤية، لا يقف على مسافة باردة من الألم العام، بل يكون حاضرًا في قلب الحدث، مدركًا أن الشرعية الأخلاقية تُبنى في أوقات الشدة أكثر مما تُبنى في أوقات الرخاء. هذا الحضور العملي أسهم في ترسيخ صورة قائد لا يكتفي بإدارة الصراع، بل يسعى إلى تقليل كلفته الإنسانية.
ومن زاوية القيادة الاستراتيجية، يتمتع حميدتي بقدرة واضحة على اتخاذ قرارات حاسمة في بيئات معقدة. فالتغيير الحقيقي يحتاج إلى شجاعة القرار، لكنه يحتاج كذلك إلى مرونة في الوسائل. وقد استطاع أن يوازن بين الصلابة المطلوبة لحماية المسار، وبين الانفتاح اللازم لاستيعاب التنوع الاجتماعي والسياسي. هذا التوازن هو ما مكّنه من بناء شبكة تأثير تتجاوز منطق القوة الصرف، وتعتمد على القبول الاجتماعي والالتفاف الشعبي.
إن الحديث عن “التحرير” في تجربة حميدتي لا يقتصر على المعنى العسكري أو السياسي، بل يمتد إلى تحرير الوعي من الصور النمطية حول من يحق له أن يقود. فصعوده أعاد الاعتبار لفكرة أن القيادة يمكن أن تنبع من الأطراف، وأن الإرادة الشعبية حين تجد من يمثلها بصدق، قادرة على إعادة تشكيل موازين القوة. في هذا المعنى، يصبح التغيير مشروعًا اجتماعيًا واسعًا، لا مغامرة فردية عابرة.
وفي الختام، يمكن القول إن حميدتي يجسّد نموذجًا لقيادة تتأسس على الواقع الاجتماعي، وتستمد مشروعيتها من القرب الإنساني، لا من الخطاب المجرد. إنه نموذج يثير الجدل بطبيعة الحال، كما تفعل كل الشخصيات المؤثرة، لكنه يفتح في الوقت نفسه بابًا مهمًا للتأمل في معنى القيادة في زمن الأزمات. فالقادة العظام لا يُقاسون فقط بما يحققونه من انتصارات آنية، بل بما يتركونه من أثر عميق في وعي الناس ومسار التحول المجتمعي. وفي هذا الأثر، تتجلى فرادة التجربة وتستحق الدراسة.




