رأي

بورتسودان ليس مطارًا بعد الآن!

منعم سليمان

منعم سليمان

لم يكن قرارُ الإمارات بإغلاق مجالها الجوي أمام الرحلات القادمة من مطار بورتسودان مفاجئاً، بل كان حدًّا فاصلاً بين دولةٍ تُحسن صيانة أمنها ببصيرةٍ لا تغفو، وسلطةٍ متغوّلةٍ تمضي ببلادنا، يومًا بعد يوم، نحو هاوية اللادولة.

ذاك المطار، الذي كان يومًا مَنفذًا لحجّاج بيت الله، آل إلى سردابٍ قاتمٍ يسكنه الشيطان؛ يعجُّ بأزيز السلاح، ويفوح منه عفنُ الفساد، وتُدار فيه الجريمة والتهريب كما لو كان وكرًا خارجًا عن الزمن والقانون.

مطارٌ لا يملك سوى اسمه؛ بلا إشراف مؤسسي أو منظومة ملاحية موثوقة، تسيطر عليه مليشيات مسلّحة تنشط في الفوضى وتتقاطع مصالحها مع عواصم منبوذة. كل زاوية فيه قابلة للاشتعال، وكل رحلة محفوفة بمخاطر غير محسوبة، في فضاءٍ لا تحرسه سيادة ولا يحميه قانون. هذه ليست مجرد مخاوف محلية، بل تحذيرات رسمية دولية تؤكد خطورة الوضع.

حين أغلقت الإمارات أجواءها أمام طائرات بورتسودان، لم تكن تُجاري خصومةً دبلوماسية، بل استجابت لحقائق أقسى من أن تُقال على المنابر. كيف يُنتظر من دولةٍ مسؤولة أن تفتح حدودها لمطارٍ تسيطر عليه وتديره جماعةٌ منفلتة، ترتبط بمحاور الإرهاب، وتُجاهر بعداوتها وتهديداتها؟!

مطار بورتسودان، تحت سلطةٍ هجينة تمزج بين لصوص ومجرمين يرفعون شعاراتٍ دينية، وشبكات جريمةٍ عابرةٍ للحدود، تحوّل إلى معبرٍ للتهريب المنظَّم، ومنصةٍ للاختلاس والابتزاز. مكانٌ تتقاطع فيه هندسة الطيران مع كيمياء الأسلحة المحرّمة، ويذوب فيه مفهوم السيادة في بحرٍ من الفوضى والمصالح غير المشروعة!

لا أمن، ولا سلامة، ولا معايير متفق عليها؛ الأمتعة والبضائع تخضع لسطوة السلاح، والمسافر يعبر لا في فضاءٍ مدني، بل في حقل ألغامٍ مقنّعٍ بزيّ مطار.

وإن لم يكن الخوف المحلي كافيًا، فقد أصبح السفر من هذا المطار وإليه مصدر قلقٍ دوليٍّ موثّق؛ من واشنطن إلى كانبيرا، رُفعت أقصى درجات التحذير، لا عن السودان فحسب، بل عن هذا المطار تحديدًا. لقد تجاوزت المسألة دائرة القلق، ودخلت منطقة الخطر الصريح!

من المؤسف أن يواصل البعض خداع أنفسهم، وتزيين الخراب بألوان الوطنية الزائفة، فيما يُدار المطار لا كمنفذٍ مدنيٍّ آمن، بل كمهبطٍ لكل ما يهدد أمن الناس، وممرٍّ لما يميت الحياة بدل أن يُحييها.

فلا عجب أن تُغلق بعض الدول أبوابها؛ بل العجب، كل العجب، أن تبقى أخرى مفتوحة!

وبينما ينشغل البعض بتأويل القرار على هوى السياسة، يغيب السؤال الأهم: متى يعود هذا المطار إلى وظيفته الحقيقية؟ متى يتحرر من قبضة الفوضى؟ ومتى يصبح السفر من السودان، لا فرارًا من الموت، بل عبورًا نحو أفقٍ يليق بأحلام الإنسان؟

إنّ القرار الحقيقي ليس ما اتّخذته دولة الإمارات، بل ما سيتّخذه السودانيون: *أن يستردّوا دولتهم، قبل أن تُغلق في وجوههم آخرُ سماء*.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!