رأي

إذاعة نيالا القومية… صوت الدولة الذي تُرك في العتمة

محمد عمر يكتب من وحي الظلام

 

من وحي الظلام محمد عمر:

تستغيث إذاعة نيالا، ولا مجيب.

ليست إذاعة نيالا مجرد جهاز إرسال ولا استديوهات قديمة أكل عليها الزمن وشرب، بل هي واحدة من أهم الإذاعات الإقليمية في جمهورية السودان، صوتٌ ظلّ حاضرًا في وجدان المستمع، وذاكرةً جماعيةً حملت الخبر الصادق، والمعلومة المسؤولة، والبرنامج الهادف، منذ سنوات طويلة.

إذاعة نيالا كانت — بحق — جامعةً شعبية، تعلّم الناس بلا قاعات، وتربي الأجيال بلا مناهج مكتوبة، من خلال برامج دينية، وثقافية، وترفيهية، وبرامج للأطفال، شكّلت الوعي ورافقت تفاصيل الحياة اليومية للناس في الحضر والريف.

لكن…

ومنذ اندلاع هذه الحرب الشنعاء، بات حال الإذاعة كحال الجسد الذي نُزعت منه الروح، لا لذنبٍ اقترفته، بل لإهمالٍ مريع، وتجاهلٍ لا يليق بمؤسسة قومية تتبع للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون.

ورغم كل هذا الظلام، لم يعجز الزملاء الأعزاء عن مواصلة العطاء، ولم تنطفئ جذوة الإبداع، فالشكر موصول — وبكل صدق — لمدير الإذاعة الحالي، الباشمهندس مهدي العزيب، الذي ظل يعمل في صمت، ويكابر على الواقع، رغم تدهور الاستديوهات وتهالك المعدات، وقلة الإمكانيات.

السؤال الذي يفرض نفسه:

لماذا هذا التجاهل المتعمد؟

ولمصلحة من تُترك إذاعة قومية بحجم إذاعة نيالا خارج حسابات التأهيل والدعم؟

نعم، قد يقول قائل إن الأخبار أصبحت متاحة، وإن وسائل التواصل الاجتماعي “مليانة”، لكن الحقيقة التي يعرفها أهل الإعلام جيدًا هي أن الإذاعة وحدها لا ينافسها شيء.

فالخبر في الإذاعة خبرٌ مسؤول، لا يُكتب “على كيفو”، ولا تحكمه الأهواء ولا الفيك نيوز المنتشر في الوسائط، حيث أصبح كل من هبّ ودبّ صحفيًا بين ليلة وضحاها.

والحديث عن تكلفة التأهيل ليس مبررًا للتقاعس.

استديو واحد فقط — نعم واحد — يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا. تكلفة الألواح العازلة أو المعدات الأساسية ليست فوق طاقة الدولة، بل ربما يستطيع رجل أعمال واحد فقط أن يتحمّلها، خليك من الدولة ذاتها.

بل الأدهى من ذلك، أن فقدان الإذاعة أثّر حتى على ثقة المجتمع.

شخصيًا، حاولت إقناع أحد أبناء المحليات بإعلان عبر إذاعة نيالا، فكان سؤاله الصادم:

“هي الإذاعة شغّالة أصلاً؟”

سؤال موجع… لكنه حقيقي.

إذاعة نيالا ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية، وهي تمثل أحد أهم أدوات الدولة في التواصل، وبناء الوعي، وربط القرى بالمحليات، والمحليات بالولاية.

الكلام كثير، والوجع أكبر،

لكن نكتفي اليوم بهذا القدر…

ولنا عودة.

آخر وحي:

تحرّكوا يا حكومة تأسيس،

من أجل إذاعة نيالا القومية…

قبل أن يصمت الصوت تمامًا، ونندم حيث لا ينفع الندم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!