
أدهم الضهيب
في مشهد سياسي يثير كثيرًا من التساؤلات، يبرز الموقف الأخير لوزارة الخارجية السعودية إزاء تطورات الأزمة السودانية بوصفه موقفًا ملتبسًا، لا ينسجم مع الخط العام الذي ظلت تنتهجه المملكة تجاه قوى الإسلام السياسي والتنظيمات المرتبطة بها في المنطقة. فالسعودية التي أعلنت مرارًا تصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» تنظيمًا إرهابيًا، تبدو اليوم وكأنها وقعت عن قصد أو دون قصد في تبني خطاب يخدم روايات حكومة بورتسودان، التي يهيمن عليها رموز النظام القديم وتيارات الإسلام السياسي.
لقد جاء بيان الخارجية السعودية متضمنًا إدانة مباشرة لقوات الدعم السريع، دون الإشارة إلى تعقيدات المشهد الميداني أو الدعوة إلى تحقيق مستقل وشفاف، وهو ما فتح الباب أمام اتهامات بازدواجية المعايير وتجاهل الوقائع المثبتة بتقارير دولية ومنظمات حقوقية. فهذه التقارير توثق منذ أشهر نمطًا واسعًا من الانتهاكات بحق المدنيين، شملت القصف الجوي العشوائي، واستهداف البنية التحتية، وفرض إجراءات تقييدية على المواطنين، فضلًا عن مزاعم خطيرة تتعلق باستخدام أسلحة محرّمة في مناطق مأهولة.
المفارقة أن هذه الانتهاكات، التي تُنسب في معظمها إلى جيش بات مخترقًا من قبل عناصر النظام السابق، لم تحظَ بذات المستوى من الإدانة أو الاهتمام، في حين جرى توجيه الاتهام إلى طرف واحد بصورة مباشرة. ويزيد من تعقيد الصورة ما يتداوله ناشطون وتقارير عن عرقلة قوافل الإغاثة الإنسانية، وتحويل مسارها، أو منع وصولها إلى المناطق الأكثر تضررًا في دارفور وكردفان.
السؤال الذي يفرض نفسه في الشارع السوداني اليوم هو: إلى أي مدى يخدم هذا النهج مصالح الاستقرار الإقليمي؟ إن الرهان على سلطة عسكرية مرتبطة بالإسلام السياسي لا يبدو منسجمًا مع أهداف محاربة التطرف، بل يهدد بإطالة أمد الصراع وتعميق عدم الاستقرار في منطقة البحر الأحمر والعمق الإفريقي.
إن الشعب السوداني، الذي يرزح تحت وطأة حرب مدمرة، يتطلع إلى مواقف إقليمية متوازنة تُسهم في وقف القتال، لا في تغذية الاستقطاب. ومن هذا المنطلق، تظل الحاجة ملحّة لأن تعيد المملكة العربية السعودية قراءة المشهد السوداني بعيون أكثر استقلالية، بعيدًا عن تأثير الحملات الإعلامية المضلِّلة، وبما يضع معاناة المدنيين وحقهم في السلام في مقدمة الأولويات.




