
سمية النور دهب
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم تعد السياسة مجرد صراع برامج أو تنافس رؤى، بل تحولت إلى اختبار أخلاقي عميق، أعاد ترتيب الأسئلة حول معنى الفعل السياسي ذاته. في هذا السياق المضطرب، برزت قوى مدنية عديدة رفعت شعار “لا للحرب”، بوصفه موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا في مواجهة آلة العنف المنظم. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الشعار، بل فيما بعده.
تحالف “صمود” يُعد من أبرز الأجسام التي أعلنت موقفًا صريحًا مناهضًا للحرب، وهو موقف لا يمكن التقليل من أهميته في بلد أنهكته البنادق. لكن مع مرور الوقت، بات واضحًا أن هذا الرفض، على وجاهته، لم يتحول إلى رؤية سياسية متكاملة، بل ظل في حدود خطاب احتجاجي يكتفي بالإدانة دون التفكيك، وبالرفض دون البديل.
فالحرب في السودان ليست حادثًا طارئًا، ولا مجرد صراع بين جنرالات، بل هي نتيجة تاريخ طويل من اختلال بنية الدولة، وتضخم المؤسسة العسكرية، وانهيار مشروع الانتقال المدني، وتغلغل الاقتصاد الريعي المرتبط بالسلاح. تجاهل هذه الجذور البنيوية يجعل أي خطاب مناهض للحرب خطابًا منقوصًا، مهما بلغ صفاؤه الأخلاقي.
المشكلة الأساسية أن خطاب “صمود” – كما كثير من الخطابات المدنية – لم يجب بوضوح عن أسئلة ما بعد الحرب: أي دولة نريد؟ كيف تُعاد صياغة العلاقة بين المدني والعسكري؟ ما موقع الأقاليم المهمشة في معادلة السلطة والثروة؟ وما هو النموذج الاقتصادي البديل للاقتصاد العسكري الطفيلي الذي غذّى الحروب لعقود؟
السياسة، في جوهرها، ليست فقط تحديد ما نرفضه، بل بلورة ما نريده وما نستطيع بناءه. ورفض الحرب، إذا لم يُترجم إلى مشروع دولة، يظل موقفًا أخلاقيًا عامًا يشترك فيه الجميع، من المواطن البسيط إلى الفاعل السياسي. هنا تحديدًا تتعثر أحزاب “صمود”، إذ لم تنجح حتى الآن في الانتقال من مربع “نحن ضد الحرب” إلى مربع “نحن نملك تصورًا لإعادة تأسيس الدولة”.
إن أخطر ما تواجهه القوى المدنية اليوم هو الاكتفاء بالخطاب الأخلاقي في ساحة تتطلب شجاعة فكرية وبرامجية. فالسودان لا يحتاج فقط إلى من يقول “لا” للحرب، بل إلى من يجرؤ على رسم طريق شاق نحو سلام عادل، ودولة مدنية، واقتصاد يخدم الناس لا البنادق. بدون ذلك، سيظل الشعار معلقًا في الهواء، فيما تستمر الأزمة في إعادة إنتاج نفسها بأشكال أكثر قسوة.




