تعليق بثلاث حكايات علي (بيان بلا براءة : ازدواجية الخطاب السعودي في السودان عبد المنعم سليمان)
د.احمد التجاني سيد أحمد

د. أحمد التيجاني سيد أحمد ٩ فبراير ٢٠٢٦روما – إيطاليا
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
صرخنا وكتبنا، فتوارَت منتجات الحديقة الخلفية غير المصنَّعة ذات القيمة المضافة خلف هِباتٍ قليلة، لا تُغني اقتصادًا ولا تُؤسِّس دولة.
ثلاث حكايات
(١) في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وعند تخرّجي بالدكتوراه من جامعة أمريكية، اتصل بي قنصل السفارة السعودية قائلًا:
«نحن حناخدك أستاذ في جامعة الملك (…؟)».
سألته: كيف عرفت أنني «جاهز للاستيراد»؟
قال: «نحن السودانيين ديل بنتابعهم لحد إكمال الدراسة، وبنعيّنهم».
قلت في سرّي: من دون قيمة مضافة… أي من دون مسار أكاديمي مكتمل أو درجة بروفيسور من جامعة أمريكية أو سودانية.
ضحك.
طلبتُ منه بأدب ألّا يعاود الاتصال.
(٢) عام ١٩٨٥، وكنتُ أحاضر لمنظمة التعاون الخليجي (GCC) في الكويت باللغة الإنجليزية، سألني رئيس المنظمة — وكان يتعامل معي على افتراض أنني أمريكي من أصل إفريقي —:
«ماذا نفعل بالرعاة السودانيين الذين يمرحون في البادية السعودية من دون مراقبة؟»
(ويقصد حياتهم الاجتماعية مع نسائهم وغلمانهم).
أجبته بالعربية:
«تصرّفوا بما يليق… هذه بضاعتكم رُدَّت إليكم!».
(٣) الاقتصادي الزراعي السوداني المعروف علي التوم — عليه رحمة الله — عُرضت عليه مهمة استشارية متقدمة في دولة خليجية مرموقة.
كان وقتها بلا عمل، إذ كان قد غامر واستقال من منصبه رئيسًا لوحدة السياسات بمنظمة الأغذية والزراعة (FAO) ليعمل وزيرًا في حكومة سودانية منتخبة قصيرة الأجل.
كنتُ معه في منزل السفير والوزير المرموق إبراهيم أيوب، حين اتصل به أحد كبار مسؤولي تلك الدولة وعرض عليه المهمة.
استمعتُ إلى علي التوم وهو يقول بثبات:
«ابحثوا عن أعلى مرتب تمنحونه لخبير أجنبي، وأضيفوا إليه (…٪)، وسأقبل العرض».
وافقوا بعد أيام قلائل، واستأجروا له منزلًا فخمًا، وسيارة بسائق.
وأخبرني صديق مقرّب أن الأستاذ علي التوم كان يضع معظم دخله الشهري في مظاريف يبعثها إلى السودان دعمًا للمحتاجين والطلاب.
هكذا حصل على القيمة المضافة، واستثمرها كما يجب.
تعقيب واجب
هذه الحكايات الثلاث ليست سردًا شخصيًا ولا استعراضًا أخلاقيًا، بل شهادة على جوهر المشكلة: القيمة المضافة.
ليست في المال ذاته، بل في كيفية إنتاجه، ومن يملكه، وأين يُعاد توظيفه.
حين يُستوعَب الخبير السوداني كفرد بلا سياق مؤسسي، تُهدر القيمة.
وحين يقف على قدميه، ويفرض قيمته، ثم يعيد توظيفها وطنيًا وأخلاقيًا، تنكشف المفارقة كاملة:
المال الزهيد موجود، لكن الدولة غائبة، لأن الشراكة لم تُبنَ يومًا على أساس القيمة المضافة، بل على إدارة التبعية.
رحمة الله على الاقتصادي الضليع الأستاذ علي التوم.




