
أبو عبدالله الراشدي
الشجاعة لا تُقاس بعلو الصوت بعد الهروب، بل بالثبات حين يبدأ الخطر
يبدو أن الشجاعة في السياسة السودانية أصبحت مثل خدمة الإنترنت الضعيفة؛ لا تظهر إلا عندما تبتعد عن موقع الحدث. وهذا بالضبط ما حدث مع الزعيم الأهلي موسى هلال، الذي اختار أن يكتشف بطولته بعد أن غادر مستريحة، مطلقًا ساقيه للريح، ليطل على الناس بخطاب ناري يعلن فيه أن “الحرب قد بدأت الآن”.
المثير في الأمر أن هذا الإعلان جاء بعد أن انتهت المعركة بالنسبة له شخصيًا. فالرجل الذي يتحدث اليوم عن التضحية والفداء لم يجد الوقت لكل هذه المشاعر وهو في مستريحة، حيث كانت المواجهة على الأرض. هناك، اختار طريقًا مختلفًا: طريق الخروج السريع. أما الآن، ومن مناطق أكثر أمانًا، فقد أصبح مستعدًا للحديث عن تحرير البلاد وتقديم الغالي والنفيس.
والسودانيون بطبيعتهم لا يكرهون الشجاعة، لكنهم يملكون حسًا ساخرًا حادًا تجاه البطولات المتأخرة. ولهذا جاءت ردود الفعل على تصريحات هلال محمّلة بالتهكم: كيف يعلن الحرب من غادرها؟ وكيف يتحدث عن المواجهة من اختار النجاة أولًا؟
ولم يكتف هلال بإعلان بداية الحرب، بل أشاد بالدور “التاريخي” لحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي في مساعدته على الانسحاب من مستريحة. عبارة تبدو للوهلة الأولى مديحًا سياسيًا، لكنها تحمل مفارقة عجيبة: حين يصبح “الانسحاب” إنجازًا تاريخيًا، فلا بد أن تعريف النصر قد تغير كثيرًا.
في العادة، تُكتب البطولات في الميدان، لا في البيانات. القادة الذين يصمدون وسط المعركة لا يحتاجون إلى خطابات طويلة لإثبات شجاعتهم، لأن الميدان يتكفل بذلك. أما القادة الذين يغادرون ساحة المواجهة ثم يعودون بخطابات مشتعلة، فهم أقرب إلى خطباء حروب لا إلى قادتها.
وما يجعل المشهد أكثر سخرية أن خطاب هلال جاء مليئًا بعبارات كبيرة: “تحرير البلاد”، “تقديم الغالي والنفيس”، و“بداية الحرب”. كلمات ثقيلة، لكنها خرجت من مكان بعيد عن صوت الرصاص. وكأن الحرب في بعض الخطابات السياسية تتحول إلى نشاط لغوي يمكن ممارسته بأمان كامل.
في الواقع، لا يحتاج السودانيون إلى كثير من التحليل لفهم المفارقة. فالزعيم الذي كان يمكن أن يثبت شجاعته في مستريحة اختار المغادرة، ثم عاد لاحقًا ليحدثهم عن الشجاعة. وهذه مفارقة يصعب على أي خطاب تعبوي أن يخفيها.
في النهاية، ليست المشكلة في أن يتحدث القادة عن الحرب أو السلام. المشكلة حين تتحول المعارك إلى كلمات، والانسحابات إلى بطولات، والهروب إلى مقدمة لخطاب مليء بالوعيد.
فالتاريخ على عكس البيانات السياسية لا يكتب ما يُقال بعد المعركة، بل ما حدث أثناءها.




