
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)
صدق الله العظيم
د. عمر القراي
(1)
إن حالة السودان اليوم، تدمي قلب كل إنسان سوي. فالمواطنون يموتون، كل لحظة، بمختلف الأسلحة، ويموتون بمختلف الأمراض، وبالجوع، والضعف، والخوف. والذين باعوا كل ما يملكون، واشتروا ثمن دخولهم، وبقائهم، في دولة كانوا يظنون أنها اخت بلادهم، وجارتهم الشقيقة، عانوا العسف والبطش من حكومتها، بتآمر مع حكومتهم، ليتم ارجاعهم قسراً، وقهراً، الى أرض الموت والدمار، حتى يستعملهم جيش الحركة الإسلامية، كدروع بشرية في داخل المدن، ويسوق الشبان منهم مستنفرين الى قتال الدعم السريع. وكل الهدف هو أن تستمر الحرب، حتى يعود الاخوان المسلمون الى السلطة مرة أخرى. إن من لا يتألم لهذا الوضع، ولا يطالب بإيقاف هذه الحرب الملعونة، ليس له من الوطنية أو الاخلاق الإنسانية، قلامة ظفر.
لقد وقفت القوى المدنية، ضد الحرب منذ أول يوم. وكانت تجمعات المدنيين، والأحزاب السياسية المختلفة، تدعوا الأطراف المتصارعة الى إيقاف الحرب، والحفاظ على أرواح المواطنين السودانيين. ولقد استجابت قوات الدعم السريع، الى هذه النداءات. وسعت الى التفاوض من أجل إيقاف الحرب، وذهبت إليه في جدة مرتين، وذهبت اليه في المنامة، ووقعت اتفاقية مع الجيش، تشمل وقف إطلاق النار، لكن حكومة البرهان لم تتقيد باتفاقية المنامة، بل انكرتها، ولم تتحدث بها. ثم جاءت الدعوة الدولية لمؤتمر جينيف، فذهبت قوات الدعم السريع، وتخلف الجيش، الذي كان الاخوان المسلمون يهاجمون قادته، كلما بدرت منهم بادرة قبول، لأي حل سلمي، يؤدي الى وقف إطلاق النار.
لقد كان آخر ما توصلت له قوى الحرية والتغيير “الاتفاق الاطاري”، وأهم ما فيه كان التأكيد على الحكم المدني، وابعاد القوات النظامية عن السلطة السياسية، وإنشاء جيش موحد، تضم له كافة المليشيات، ويكون جيش وطني، مهني، لا توجهه أي رؤى حزبية. وكما هو معلوم فقد وقع الجيش، ووقع الدعم السريع على “الاتفاق الاطاري”، كما وقعت قوى الحرية والتغيير بكل الأحزاب المنضوية تحتها. ولكن الاخوان المسلمين شعروا بدنو نهايتهم إذا سار “الاتفاق الطاري” إلى نهاياته وأتى بالحكومة المدنية. فأمروا “البرهان” أن يتراجع عن تأييد “الاتفاق الاطاري”، وطلبوا منه أن يحمل “حميدتي” على ذلك. ولكن المفاجأة التي لم يحسبوا حسابها، هي رفض “حميدتي” التنازل عن “الاتفاق الاطاري”، والإصرار على المضي قدماً نحو الحكومة المدنية، والجيش الوطني الموحد. ولم يكن أمامهم إلا أن يطلبوا من “البرهان” الهجوم والقضاء على “الدعم السريع”، بأسرع ما يمكن. ولكن “البرهان” تردد، وهذا ما دفع كتائبهم أن تبدأ الحرب، بالهجوم على “الدعم السريع”، في المدينة الرياضية، ليجبروا الجيش على الحرب. وكان الاخوان المسلمون لفرط سذاجتهم، يظنون أن الجيش يمكن أن يقضي على “الدعم السريع” في ساعات أو أيام. وأن حماسهم، وهتافاتهم في الافطارات الرمضانية، ومشاركة كتائبهم، ستحقق النصر للجيش. ولكن الحرب استمرت الى قرابة الثلاثة سنوات، وخسروا فيها، أكثر مما كسبوا منها.
لقد وسعت “قوى الحرية والتغيير” ماعونها، ودعت كل الذين يريدون إيقاف الحرب، وتحقيق النظام المدني الديمقراطي، الى الانضمام إليها فظهر “تجمع القوى الديمقراطية المدنية” ” تقدم” الذي ظل عمله الأساسي، هو دعوة طرفي النزاع: الجيش و”الدعم السريع” لإيقاف الحرب، ثم تطبيق ما ورد في “الاتفاق الاطاري”، خاصة وأنهما قد وقعا عليه.
وبالرغم من أن دعوة “تقدم”، في جوهرها، دعوة وطنية، وفيها شعور بمأساة الشعب السوداني، ومحاولة لإيقاف معاناته، إلا أنها لم تكن موضوعية ولا منصفة!! فهي ليست موضوعية، لأن الحرب أشعلها الاخوان المسلمون، بغرض ان يعودوا الى السلطة، ويقضوا تماماً على ثورة ديسمبر، التي أطاحت بهم، فلا يتوقع منهم أن يوقفوا الحرب، قبل أن يحققوا غرضهم منها. وهي غير منصفة، لأنها اعتبرت “الدعم السريع”، مثل جيش الإخوان المسلمين، مع أنه لم يبدأ الحرب، ووافق على كل المباحثات لوقف إطلاق النار، وذهب الى كل مبادرات التفاوض، لوقف الحرب، التي تهرب منها الجيش، بل ذهب الى “تقدم” نفسها، ووقع معها، وثيقة تفاهم، اتفق فيها على كل ما جاء في “الاتفاق الاطاري”. هذا بينما الطرف الآخر، هاجم قيادات “تقدم”، ووصفهم بالعمالة، والخيانة الوطنية، وفتحت نيابته ضدهم بلاغات، واتهمتهم بجرائم تبلغ عقوبتها الإعدام، وطلبت من “الانتربول” القبض عليهم وتسليمهم لهم
(2)
على أن مجموعة من المثقفين، والحزبيين، اعتبرت موقف “تقدم”، على وطنيته، موقف سلبي. فهناك مجموعة تقاوم زحف الاخوان المسلمين، لاسترداد السلطة، والقضاء على شعارات ثورة ديسمبر المجيدة، بالسلاح. وتقدم الأرواح الغالية، لتمنع الاخوان المسلمين من اكمال مخططهم، واحكام قبضتهم على هذا الشعب، من جديد. مما يجعل الحياد بين هذين الموقفين، تقصيراً بيّناً، تجاه الحق والوطن. لهذا انشقوا عن “تقدم”، ولم يذوبوا في الدعم السريع، بل تحاوروا معه، ودعوا لتجمعهم الجديد، الحركة الشعبية لتحرير السودان، بقيادة عبد العزيز الحلو. وتدارسوا ماضي الحركة السياسية السودانية، واستشرفوا مستقبل جديد، برؤى جديدة، ضمّنوها ميثاق واضح المعالم، ودستور جديد، يمكن على هداه أن يقوم الوطن، الذي يقبل التنوع ويحقق المساواة. وولدت بذلك الاتفاق “تأسيس”، وأعلنت حكومتها في المناطق التي تقع خارج سيطرة جيش الاخوان المسلمين وحكومة الأمر الواقع، التي تدار من بورتسودان. وبهذا الانشقاق لم تعد “تقدم” هناك، وإنما ظهر بديل عنها، هو التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”.
أما الأحزاب السياسية التقليدية الكبرى، فقد تقسمت بين كل الأطراف!! فحزب الأمة ذهبت منه مجموعة، بقيادة السيد فضل الله برمة ناصر، مع “تأسيس”. وظلت مجموعة بقيادة السيد صديق الصادق المهدي، والسيد الواثق البرير، والسيدة مريم الصادق المهدي، مع “صمود”. ومجموعة بقيادة السيد عبد الرحمن الصادق المهدي، والسيد مبارك الفاضل المهدي، مع حكومة برهان، التي يدعمها الاخوان المسلمون. أما الحزب الاتحادي الديمقراطي، فقد ذهبت مجموعة منه بقيادة السيد إبراهيم احمد الميرغني، مع “تأسيس”. ومجموعة السيد جعفر حسن وزملاؤه، ظلت مع “صمود”. بينما اظهر السيد محمد عثمان الميرغني، تعاطفاً مع حكومة البرهان. أما الحزب الشيوعي السوداني، فقد خرج عن “قوى الحرية والتغير” كعادته في الخروج عن التحالفات، إذا لم يصل الى قيادتها. وحين قامت الحرب، وجد نفسه يدعم الجيش ويعادي “الدعم السريع”!! ثم حين ظهر أن الجيش هو جيش الحركة الإسلامية، استمر الحزب الشيوعي، يدعم حكومة البرهان، التي يحركها الاخوان المسلمون، ويقدم لها حتى المساعدات المادية، كما حدث في عطبرة.
هذا الواقع المؤسف من التمزق، والتمترس حول المواقف، والنظر للمصالح الضيقة، وغياب النظر الى حاجة الوطن، هو ما نعاني منه الآن. فعلى كل القوى التي تريد السلام، وتريد الحكم المدني الديمقراطي، وعلى كل الأحزاب السودانية، أن تقوم بالآتي:
1- التحاور بينها، بغرض تكوين جبهة واحدة عريضة، تضمها جميعاً. فلقد قامت “صمود” بجولة في أوروبا، لتقنع تلك الدول، بالوقوف مع قضية السلام والديمقراطية في السودان. وهذا عمل جيد ومقدر، ولكن أولى منه، أن يحاوروا إخوتهم في “تأسيس”، على أساس ما طرحوا من ميثاق، ودستور. ويطرحوا كافة تحفظاتهم على “الدعم السريع”، وتأكيد عدم افلات منسوبيه من العقاب، على الانتهاكات التي ارتكبوها، أو غير ذلك من الأمور المختلف حولها، حتى تعود القوى الوطنية في جبهة واحد، لا يشذ عنها الا من يريد الحرب، ويقف مع الاخوان المسلمين.
2- التشاور حول اتخاذ موقف موحد، قوي، ضد الدول التي تتدخل لتصعد الحرب في السودان. أو تشارك سرياً، وتضرب المواطنين السودانيين في أي بقعة في السودان، سوى ان شاركت بالطيران، أو بإرسال مقاتلين على الأرض. ويجب أن ترفع شكوى ضد هذه الدول لمحكمة العدل الدولية.
3- شجب وإدانة حكومة مصر، لما قامت به من إجراءات تعسفية، مخالفة للقانون الدولي للاجئين، ضد المواطنين السودانيين، ولتواطئها مع حكومة الأمر الواقع بقيادة البرهان، على إذلال، وتعذيب، واهانة، وطرد، اللاجئين السودانيين. ورفع شكوى ضدها للمندوب السامي للاجئين بالأمم المتحدة.
4- المطالبة بإعلان نتائج التحقيق، حول استعمال جيش حكومة البرهان، الأسلحة الكيميائية، في مناطق محددة من السودان. ورفع شكوى للمحكمة الجنائية الدولية، ضد البرهان، وياسر العطا، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لأنهما اشارا في فيديو مسجل، بأنهم سوف يستخدمون القوى المميتة في الحرب.
إن أي تهاون وإهمال، في السعي لتكوين جبهة واحدة عريضة للقوى المدنية، إنما يصب في مصلحة الإخوان المسلمين، الذين سعوا لتمزيق الأحزاب، وتشتيت القوى الوطنية، لأنهم إنما يستثمرون في إضعاف خصومهم، ويفعلون ذلك بلا أدنى دين أو خلق.
12 فبراير 2026م
–



