
التنوير متابعات
في مشهدٍ بدا أقرب إلى استعراضٍ دبلوماسي منه إلى طرحٍ عملي قابل للتنفيذ، قدّم رئيس وزراء سلطة بورتسودان خلال مؤتمر ميونيخ للأمن ما وصفه بـ«مبادرة سلام سودانية شاملة»، مؤكداً أنها تهدف إلى حماية المدنيين واستعادة “السلطة القانونية والتشريعية” للدولة السودانية.
اللافت في الخطاب لم يكن فقط الحديث عن مقاربة “تحقق مكاسب للجميع”، وهي عبارة فضفاضة طالما استُخدمت دون تحديد واضح لآليات التنفيذ، بل كان الانتقاء المدروس في الإشادة بالمبادرات الدولية. فقد حرص على ذكر الولايات المتحدة ومصر والسعودية، متجاهلاً أحد الأطراف الرئيسية في الرباعية المعنية بالملف السوداني، في إشارة أثارت تساؤلات حول طبيعة التموضع السياسي وحدود الجرأة في مقاربة المشهد الإقليمي المعقد.
الطرح، رغم تغليفه بعبارات الدعم الشعبي والمساندة الدولية، لم يقدم حتى الآن تفاصيل عملية حول آليات وقف إطلاق النار، أو ضمانات حماية المدنيين، أو كيفية إعادة بناء الشرعية في ظل انقسام سياسي وميداني عميق. كما أن الحديث عن “استعادة السلطة القانونية” يظل شعارًا نظريًا ما لم يُحدد مصدر التفويض ومن يمنح الشرعية ومن يضمن الالتزام.
مؤتمر ميونيخ، الذي اعتاد أن يكون منصة لرسم ملامح التحولات الكبرى في الأمن الدولي، شهد هذه المرة خطابًا يحتاج إلى أكثر من الكلمات المنمقة. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة تدوير العناوين، بل إلى خارطة طريق واضحة، تضع أولوية لوقف الحرب وتخاطب جذور الأزمة لا مظاهرها.
ويبقى السؤال: هل نحن أمام مبادرة حقيقية قابلة للحياة، أم أمام جولة جديدة من الخطابات التي لا تجد طريقها إلى أرض الواقع؟




