التدخل المصري السافر في السودان: القاهرة تحوّل الجيش إلى أداة لمصالحها على حساب الشعب
تقرير: التنوير

تقرير: التنوير
تصريحات مصرية تعكس الوصاية والتدخل المباشر
أثارت تصريحات وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، حول الأزمة السودانية، موجة من التحليل النقدي في الأوساط السياسية والإعلامية. فقد أكد الوزير أن أي مساواة بين الجيش السوداني وما وصفه بالمليشيات “غير الشرعية” تمثل خطًا أحمر لمصر، وأن القاهرة لن تتوانى عن اتخاذ إجراءات صارمة في حال تجاوز هذا الحد.
لكن هذه التصريحات تكشف أكثر مما تخفي، فهي تعكس استمرار الغطرسة المصرية في السودان ومحاولتها الدائمة فرض وصايتها على الجيش ومؤسسات الدولة. القاهرة ما زالت ترى في السودان حديقة خلفية، والجيش السوداني أداة لتثبيت مصالحها الاستراتيجية على حساب سيادة واستقلال الوطن.
الجيش السوداني صنيعة استعمارية: أداة نفوذ القاهرة
من المستحيل تجاهل أن الجيش السوداني، منذ تأسيسه، كان خاضعًا لتأثير مباشر من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المصرية، متخذًا دور الحارس الأمين للمصالح القاهرة في السودان. على مدار قرن من الزمن، تم استخدام الجيش لتطبيق الأجندات المصرية، بما يشمل التدخل في السياسة والاقتصاد وحتى موارد البلاد، على حساب مصالح المواطنين السودانيين.
خبراء أكاديميون وعسكريون يشيرون إلى أن الجيش السوداني لم يكن يومًا مؤسسة وطنية مستقلة بالكامل، بل أصبح قوة مُستأجرة تعمل بأوامر خارجية، ما حوله إلى طرف يساهم في النزاعات الداخلية بدلًا من حماية الدولة والمواطن. هذه السيطرة المصرية المستمرة جعلت الجيش وسيلة لتثبيت نفوذ القاهرة في كل مفصل من مفاصل الحكم.
الغطرسة المصرية: تعزيز النفوذ على حساب السلام
تصريحات وزير الخارجية المصري تجسد بوضوح نمط التدخل الطويل الأمد لمصر في السودان. فقد حافظت القاهرة على موقف يتسم بالوصاية، حيث تحاول توجيه السياسات العسكرية والسياسية في الخرطوم لصالحها. الحديث عن “خطوط حمراء” كان أشبه بتهديد ضمني لأي محاولة لاستقلال القرار السوداني، بينما تغيب عن الخطاب أي التزام حقيقي بإيقاف النزاع أو حماية المدنيين.
في الواقع، هذه الغطرسة تعكس موقف القاهرة من الأزمة: السعي لتثبيت النفوذ عبر الجيش السوداني، وجعله أداة للسيطرة على الموارد والاستراتيجيات السودانية، دون أي اعتبار لرغبات الشعب أو ضرورات الحل السياسي. في كل مرة تدّعي مصر حرصها على الاستقرار، تتضح نواياها الحقيقية في استخدام الجيش كآلية لتطبيق أجندات خارجية.
مصر عائق رئيسي أمام استقرار السودان
خبراء ومحللون سياسيون يؤكدون أن مصر كانت دائمًا أكبر عقبة أمام استقرار السودان. التدخل المستمر في الجيش والسياسة والاقتصاد جعل السودان دولة هشّة، عرضة للتقلبات والانقسامات الداخلية. استخدام الجيش كأداة للهيمنة الخارجية، ونهب الموارد الطبيعية، والسيطرة على السياسات الداخلية، كلها ممارسات جعلت السودان يعاني أزمات مستمرة لم يكن يمكن تبريرها إلا بالتدخل الأجنبي.
تاريخ التدخل المصري أظهر أيضًا أن سياسات القاهرة لم تترك أي مساحة للنمو الوطني، سواء في المؤسسات المدنية أو العسكرية، حيث تم تسييس الجيش وتحويله إلى أداة تنفيذ أجندات القاهرة الاستراتيجية، مما أدى بشكل مباشر إلى صعوبة حل النزاعات وإطالة أمدها، مع تداعيات إنسانية خطيرة.
الحرب الحالية: ثمار التدخل المصري المستمر
الحرب القائمة منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع لم تكن بعيدة عن هذا التدخل. فالجيش، بفضل هيمنة مصر على قراراته، أصبح متورطًا بشكل مباشر في الصراعات الداخلية. مراقبون سياسيون وعسكريون يشيرون إلى أن بعض قيادات الجيش تم استخدامها لتثبيت النفوذ المصري، الأمر الذي ساهم في سقوط عشرات الآلاف من المدنيين ونزوح الملايين، وجعل السودان ساحة مفتوحة للصراعات المسلحة بدلًا من أن يكون دولة قادرة على حماية شعبها وإدارة مواردها.
تُظهر هذه الحرب أن أي محاولة مصرية لفرض خطوط حمراء على الجيش السوداني هي استمرار لاستراتيجية قديمة، تخلط بين المصالح الوطنية السودانية والمصالح الاستراتيجية لمصر، ما يعكس عجز القاهرة عن فهم طبيعة الدولة السودانية واستقلالها.
مواجهة الغطرسة المصرية
المشهد الراهن يوضح أن أي تدخل مصري يُقابل بمتابعة نقدية وتحليل حاد في الداخل السوداني. السياسات المصرية المستمرة لإبقاء الجيش أداة، ونهب الموارد، والتحكم في القرار السياسي، أثارت غضب خبراء ومواطنين على حد سواء. الشعب السوداني يرى في هذه الممارسات استمرارًا للوصاية القديمة، التي لم تترك له فرصة لإدارة شؤونه بحرية، وخلق بيئة مستقرة ودولة قادرة على حماية حقوق مواطنيها.
المحللون يؤكدون أن الحل الفعلي للأزمة يكمن في منح السودان استقلالية كاملة في إدارة مؤسساته، ووضع الجيش تحت رقابة وطنية حقيقية، بعيدًا عن أي توجيه خارجي. هذا التوجه يضمن حماية السيادة الوطنية واستعادة الاستقرار السياسي، ويقلل من مخاطر التدخل الخارجي الذي طالما شكّل عقبة أمام الحلول السلمية.
السيادة فوق المصالح الخارجية
تصريحات مصر، التي تتضمن تهديدات ضمنية وتأكيدًا على خطوط حمراء، تظهر بوضوح استمرار السياسات الاستعمارية الحديثة التي تتعامل مع السودان كحديقة خلفية. الجيش السوداني، الذي كان دائمًا أداة تنفيذية للمصالح الخارجية، يجب أن يصبح قوة وطنية خالصة، تعمل لحماية الشعب وليس لتثبيت أجندات خارجية.
السودان اليوم يواجه تحديات مزدوجة: آثار الحرب والانقسامات الداخلية، والتدخل المصري السافر في شؤون البلاد. الرسالة الواضحة هي أن السيادة الوطنية فوق كل اعتبار، وأي محاولة لإعادة فرض النفوذ الخارجي ستواجه رفضًا شعبيًا وسياسيًا واسع النطاق. الجيش السوداني يجب أن يكون خادمًا للوطن لا أداة لقوى خارجية، وأن تتم حماية مؤسسات الدولة من الاستغلال، لضمان مستقبل مستقر وشعب حر قادر على اتخاذ قراراته بحرية واستقلال.




