رأي

التاريخ لا يُزوَّر على الشاشات: ردٌ على خطاب المزايدة وتضليل الوقائع

إيمان بدرالدين

 

إيمان بدر الدين 

ما طُرح في التصريحات الأخيرة يعكس سطحية سياسية وتجاهلًا متعمدًا لمسار تاريخي موثق لا يحتمل العبث أو الانتقاء بحسب مقتضيات اللحظة. الحديث عن انفصال الجنوب بوصفه “خطوة شجاعة ومحترمة” ليس فقط قراءة مجتزأة، بل هو قفز فوق سياق طويل من القرارات والسياسات التي أسهمت في تعقيد الأزمة الوطنية وتمزيق وحدة البلاد.

لقد عاش جنوب السودان فترة من الاستقرار النسبي عقب اتفاقية أديس أبابا عام 1972، التي منحت الإقليم حكمًا ذاتيًا وأوقفت الحرب لسنوات. كان ذلك نموذجًا ممكنًا لإدارة التنوع عبر تسويات سياسية ودستورية. غير أن إلغاء ذلك الترتيب وفرض قوانين سبتمبر عام 1983 أدخل البلاد في منعطف حاد، وأعاد إشعال الصراع بصورة أعنف. هذه الوقائع ليست اجتهادات سياسية، بل صفحات ثابتة في تاريخ السودان الحديث.

وصف تلك التحولات بأنها “شجاعة” يتجاهل أثرها على السلم الاجتماعي، ويتغافل عن نتائجها التي قادت إلى حرب طويلة، وانقسامات عميقة، ثم إلى استفتاء تقرير المصير الذي أفضى إلى الانفصال. إن تحميل اللحظة النهائية كل المسؤولية، دون مراجعة ما سبقها من خيارات وسياسات، يمثل تبسيطًا مخلًا لا يليق بخطاب يدّعي الجدية.

المشكلة ليست في الاختلاف حول تقييم الأحداث، بل في إنكار التسلسل التاريخي ومحاولة إعادة صياغته بما يخدم خطابًا سياسيًا راهنًا. الشعوب التي ثارت في أبريل 1985 وديسمبر 2018 فعلت ذلك اعتراضًا على الاستبداد وتوظيف الدين في السياسة، ورفضًا لنهج الإقصاء والتضييق، وليس احتفاءً به.

إن احترام الوعي العام يقتضي الصراحة لا المزايدة، والمراجعة لا المكابرة. فالقضايا الوطنية الكبرى، وعلى رأسها وحدة البلاد أو انفصالها، ليست مواد دعائية للاستهلاك الإعلامي، بل تجارب مؤلمة دفعت فيها أجيال أثمانًا باهظة.

التاريخ لا يُمحى بالتصريحات، ولا يُعاد تشكيله عبر منابر عابرة. ومن يتصدى للحديث عنه مسؤولٌ أمام ذاكرة شعبٍ يعرف جيدًا ما جرى، ويدرك أن التضليل مهما تكرر لا يتحول إلى حقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!