رأي

الفاشر: نقطة تحول استراتيجية وسياسية في دارفور

د.عبدالرحيم مضوي

 

د. عبدالرحيم مضوي

مدينة الفاشر التاريخية تمثل رمزية سياسية واستراتيجية كبيرة؛ فالسيطرة عليها تعني ليس فقط النفوذ العسكري في دارفور، بل امتداداً للسيطرة على المشهد السياسي والوجداني في الإقليم. وقد استخدمت المدينة خلال هذه الحرب كساحة رمزية لتحقيق أهداف معنوية وسياسية، من خلال تعزيز ولاء بعض الحركات المسلحة التي طالما ادعت تمثيلها للغالبية من أهالي دارفور خلال العقدين الماضيين.

ومع اجتياح قوات الدعم السريع للفاشر، تم كسر أسطورة “شنب الأسد” التي استند إليها مقاتلو تلك الحركات وناشطوها، ما سينعكس على مواقع هذه الحركات وسياساتها. خاصة حركة مناوي، التي عُرفت بتغير مواقفها المتكرر وعدم الالتزام بما يترتب على تحالفاتها، إذ كانت الفاشر بالنسبة لها ورقة ابتزاز سياسية تجاه الجيش. ومع سقوط هذه الورقة، يصبح عليها الاختيار بين الاستمرار في التحالف مرغمة أو فك ارتباطها، وهو ما سيعيد تشكيل موازين القوى بين الأطراف المسلحة.

أما على الصعيد الاستراتيجي، فمن المتوقع أن يعود كل طرف إلى استراتيجيته الأساسية: الجيش في الدفاع وحماية المناطق الحيوية، والدعم السريع في الهجوم وتعزيز المبادرة الميدانية. كما أن هناك احتمالاً قوياً لترك مناطق أخرى خارج السيطرة المباشرة للجيش، ما قد يفتح المجال أمام عمليات هجومية محدودة لتخفيف الضغط عن المناطق الحيوية، خصوصاً المحاذية للعاصمة.

السيطرة على الفاشر ستعمل على رفع الروح المعنوية لقوات الدعم السريع، ومنحها القدرة على تعزيز الجبهات المتقدمة وتوسيع نطاق العمليات العسكرية. وهذا الانتصار لا يقتصر على الجانب الميداني، بل يمتد ليشكل عامل ضغط سياسي قوي؛ فالجيش وحلفاؤه يجدون أنفسهم في موقف معقد، إذ أن أي تقدم ميداني للدعم السريع قد يسرّع الحل السياسي، بينما أي تقدم للجيش في ميادين القتال قد يصعّب الوصول إلى تسوية سياسية.

كما أن مجريات الأحداث السياسية تؤكد أن الطرف الرافض لأي حل سياسي حتى الآن هو الجيش، بحسب تصريحات قياداته، ما يجعل العلاقة بين المعارك السياسية والميدانية مترابطة بشكل وثيق. فالسيطرة على الفاشر ليست مجرد نصر عسكري، بل مؤشر واضح على أن الموازين السياسية في دارفور والسودان بشكل عام أصبحت أكثر هشاشة وتعقيداً، وأن الانتصارات الميدانية يمكن أن تشكل حافزاً لتسريع التفاهمات السياسية أو تعقيدها بحسب اتجاه الصراع في الميدان.

في النهاية، الفاشر لم تعد مجرد مدينة تاريخية، بل رمز قوة واستراتيجية سياسية وعسكرية، وانتصارها يمثل منعطفاً حاسماً في مسار الحرب والصراع السياسي في دارفور، مع تأثيرات مباشرة على كل التحالفات والمواقف في المشهد السوداني الحالي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!