
نجم الدين دريسة
تحقيق السلام في السودان لم يكن يومًا مهمة سهلة، فالتاريخ السياسي المعقد، والصراعات العميقة بين مختلف القوى، والوجود المتشابك للجماعات المسلحة والسياسية، جعل من أي مسار نحو الاستقرار تحديًا جسيمًا يتطلب رؤية واضحة وإرادة سياسية صادقة. ومع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، أصبح الوضع أكثر تعقيدًا، حيث توغلت الحرب في نسيج المجتمع، وأدت إلى معاناة واسعة للمدنيين، ونزوح الملايين داخليًا وخارجيًا، لتصبح السودان واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم الحديث.
جهود الرباعية الدولية لإرساء دعائم السلام تمثل محاولة جدية لإعادة مسار السياسة السودانية إلى الطريق الصحيح. هذه الجهود ترتكز على الوساطة والحوار بين الأطراف المتصارعة، والعمل على هدنة إنسانية تتيح وصول المساعدات للمتضررين، وتخفيف معاناة النازحين واللاجئين، وتوفير بيئة مناسبة لبدء الحلول السياسية الدائمة. غير أن هذه المبادرات تواجه تحديات جسام، من أبرزها وجود جماعات الهوس الديني التي ما زالت تمارس نفوذها داخل الجيش وتتحكم في بعض مراكز القرار.
هذه الجماعات، التي كانت وراء انقلاب 25 أكتوبر 2021م، وأشعلت الحرب في أبريل 2023، تسعى من خلال سيطرتها على الأجهزة والمؤسسات الإعلامية إلى خلق سرديات مضللة، تهدف إلى شيطنة قوات الدعم السريع واتهامها بالمسؤولية عن النزاع، فيما الحقيقة تثبت أن هذه القوات انحازت مبكرًا للثورة الشعبية، وكانت جزءًا من الإجابة على المطالب الوطنية في مواجهة الهيمنة والتسلط. هذه الحقائق التاريخية تجعل من القضاء على تأثير هذه الجماعات، واستئصال جذور سيطرتها على مؤسسات الدولة، شرطًا أساسيًا لأي سلام مستدام في السودان.
النجاح في تحقيق هدنة إنسانية قصيرة المدى قد يكون ممكنًا، لكن فعالية هذه الهدنة مرتبطة بمدى التزام الأطراف المتصارعة بتوفير بيئة آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية، وتوفير الحماية للمدنيين، وإنهاء الهجمات على النازحين ومناطقهم. بدون هذا الالتزام، ستظل المعاناة مستمرة، وستصبح جهود الرباعية مجرد محاولات رمزية لا تؤدي إلى نتائج ملموسة على الأرض.
إن الطريق نحو سلام دائم في السودان يتطلب أكثر من هدنة مؤقتة؛ فهو يستلزم رؤية سياسية واضحة، تقوم على إنهاء الهيمنة الأحادية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون والعدالة، وتوسيع المشاركة السياسية لكل القوى الوطنية. كما أن معالجة جذور الصراع تشمل إعادة توطين النازحين، وتوفير فرص اقتصادية واجتماعية للأسر المتضررة، وترسيخ ثقافة التسامح والمصالحة بين مكونات المجتمع السوداني المختلفة.
يبقى العامل الأهم في نجاح أي مسار للسلام هو إرادة الشعب السوداني نفسه، وصموده في مواجهة القوى التي تسعى إلى العودة إلى السلطة عبر القهر والعنف. فعلى الرغم من التحديات الداخلية والخارجية، فإن وجود قيادة سياسية واعية وشعب ملتزم بالقيم الوطنية يمكن أن يحول السودان من ساحة صراع إلى نموذج للعمل المشترك والتنمية المستدامة.
في الختام، يظل السلام في السودان هدفًا صعب التحقيق، لكنه ليس مستحيلًا. الطريق إلى الاستقرار طويل وشاق، ويحتاج إلى جهود منسقة بين الأطراف الداخلية والدعم الدولي الحقيقي، بعيدًا عن المزايدات الإعلامية والسرديات المضللة. إن القضاء على النفوذ المدمر للجماعات المتطرفة، وضمان وصول العون للمدنيين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس عادلة، هي الخطوات الأساسية نحو مستقبل أكثر أمانًا وازدهارًا للسودان وشعبه.




