رأي

فيليب عباس غبوش… ضمير الهامش ورائد المشروع القومي الديمقراطي

عثمان الخير

 

 عثمان الخير

في ذكرى رحيل القائد الوطني الكبير فيليب عباس غبوش (1922–2008)، يستدعي الوجدان السوداني سيرة رجلٍ لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل كان ضميرًا حيًا للهامش، وصوتًا شجاعًا للعدل، وأحد أعمدة المشروع القومي الديمقراطي في السودان. لم يعش غبوش حياته باحثًا عن مجدٍ شخصي أو سلطة عابرة، بل أفنى سنوات عمره نضالًا صبورًا من أجل كرامة الإنسان السوداني، ومن أجل دولة تتسع لكل أبنائها دون تمييز أو إقصاء.

نشأ فيليب عباس غبوش في بيئة جبال النوبة، حيث تداخلت المعاناة اليومية مع الوعي المبكر بالظلم البنيوي الذي لازم الدولة السودانية منذ نشأتها. ومن هذا الواقع القاسي، تشكّلت شخصيته السياسية والأخلاقية، فحمل قضايا أهله، ثم قضايا السودان كله، إلى فضاءات العمل العام، مؤمنًا بأن التهميش ليس قدرًا، بل نتيجة سياسات يمكن تغييرها بإرادة واعية ونضال منظم.

كان الراحل من أوائل من واجهوا المركزية الطاغية التي صادرت حق الأقاليم في التنمية والسلطة، ودافع بلا هوادة عن الحكم الإقليمي الفيدرالي، والاعتراف بالتعدد الثقافي والديني، والمواطنة المتساوية بوصفها حجر الأساس لأي دولة عادلة. ولم يكن خطابه ثوريًا من أجل الخطابة، بل كان مشروعًا فكريًا وسياسيًا متماسكًا، سبق زمانه، ووضع يده مبكرًا على جوهر أزمة الدولة السودانية.

وفي واحدة من أكثر معاركه دلالة، قاد فيليب عباس غبوش نضالًا تاريخيًا لإلغاء ضريبة الذقنية، تلك الضريبة المهينة التي استهدفت إنسان جبال النوبة على أساس الهوية، وجعلت من الجسد عنوانًا للتمييز. لم يكن ذلك نضالًا ضد ضريبة مالية فحسب، بل كان ثورة أخلاقية ضد إذلال الإنسان، وتجسيدًا لمعنى الكرامة بوصفها حقًا غير قابل للمساومة.

وفي البرلمان، وفي ساحات العمل السياسي، ظل غبوش صوتًا صادقًا لا يخضع لمعادلات القوة أو إغراءات السلطة. وقف ضد الشمولية والعسكرة، ورفض المتاجرة بالدين، ودافع عن الدولة المدنية الديمقراطية بوصفها الإطار الوحيد القادر على حفظ التنوع وصيانة الوحدة. ومن هذا الوعي، أسس الحزب القومي السوداني كوعاء وطني جامع، يتجاوز الجهوية، ويخاطب جذور الأزمة لا أعراضها.

إن فيليب عباس غبوش لم يكن زعيمًا لجبال النوبة وحدها، بل كان أحد أهم رواد التحرر الوطني في السودان. ترك إرثًا نضاليًا وفكريًا باقٍ، لا يزال يلهم الأجيال في معركتها من أجل سودان جديد، يقوم على العدل، والمواطنة، والكرامة الإنسانية.

فلترقد بسلام أيها المناضل الجسور… فقد عشت كبيرًا، ورحلت أكبر، وبقيت رمزًا لا يغيب. المجد والخلود لرواد النضال الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!