رأي

بيت العنكبوت

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

من يقرأ تاريخ حزب المؤتمر الوطني في غرب كردفان، يدرك أنه لم يكن سوى بيت عنكبوتٍ واهن، نُسج بخيوط المصالح والتمكين، وتماسك بالخوف، وسقط كلما لامسته يد الوعي.

سنواتٌ طويلة من حكم الإسلامويين لم تبنِ مؤسساتٍ راسخة، بل صنعت شبكةً معقدة من الولاءات الهشة، تُدار من المركز وتُفرض على الهامش.

في قلب هذا المشهد برز اسم المجرم” أحمد هارون”، الذي أدار ملف غرب كردفان بعقلية أمنية صِرفة، لا ترى في الإقليم سوى خزانٍ للنفط ومسرحٍ لإعادة إنتاج السيطرة.

لم يكن النفط نعمةً على أهله، بل صار لعنةً تُدار عبر تفكيك نسيجهم الإجتماعي،زُرعت الفتن بين المكونات المحلية، وأُضرمت نار النزاعات القبلية، حتى ينشغل الناس ببعضهم، وينصرفوا عن سؤال الحقوق: أين نصيب الإقليم من ثروته؟ وأين التنمية التي وُعد بها؟

كانت سياسة “فرِّق تسُد” هي العمود الفقري لذلك العهد،

أُنشئت قيادات هشة، وشخصيات صُنعت في غرف التمكين، كرتونية في مشروعها، لكنها دامية في أثرها. اليوم، يتصدر بعض هؤلاء المشهد، يقودون موجات القتل والتدمير في الولاية، وكأنهم إستمرارٌ طبيعي لذلك الإرث الثقيل.

ما يحدث في السنوط وأبوزبد وأم رسوم وأم عدارة ليس سوى فصلٍ جديد من فصول ذلك الكتاب الأسود، إستخدام الطيران المسيّر ضد الأهالي الغلابة يكشف حجم الإنفصال الأخلاقي بين من يملكون أدوات القوة ومن يدفعون الثمن.

كأن معاناة إنسان غرب كردفان، الممتدة منذ عهد الظلام، لم تكفِ، فكان لا بد أن تُضاف إليها فواجع الموت، وأن تُزفَّ فلذات الأكباد إلى قبورٍ مبكرة بقصف طيران المسير المُمنهج، بينما يكابد من بقي مشاق الحياة وضنك العيش.

المركز وأصحاب الإمتيازات أحكموا قبضتهم عبر شبكة مصالح، علاقةٌ واهنة مع إنسان الإقليم، تقوم على الإستغلال لا الشراكة.

رأينا كيف هرب النافذون المدجّنون من أبناء الولاية إلى بورتسودان، ثم عادوا أكثر شراسة، يزايدون في دموية مناطقهم، ويقتتلون مع أهلهم إرضاءً لأسيادهم. إنها علاقة تبعية لا كرامة فيها، وولاء لا جذور له.

معروف أن بيت العنكبوت، مهما بدا متشابكًا، يظل أوهن البيوت. هذه العلاقة لن تدوم طويلًا.

وعي المجتمعات في غرب كردفان يتشكل من جديد، وشبابها الذين خبروا الخذلان لن يقبلوا أن يكونوا وقودًا لحروبٍ تُدار بالريموت كنترول من غرفٍ بعيدة.

عندما يستعيد الناس سؤالهم الأول: من يملك الأرض؟ ومن يملك القرار؟ ومن يملك النفط؟ سيتكسر ذلك البيت الواهي.

و حين يدرك أبناء الإقليم أن قوتهم في وحدتهم، لا في الإصطفاف خلف شخصياتٍ صنعتها أجهزة السلطة،

سيبدأ تاريخٌ آخر.

غرب كردفان ليست ساحةً لتصفية الحسابات، ولا مخزان لثروات تُنهب باسم الدين أو الأمن،هي أرض أهلها، ومستقبلها لن يُصنع بخيوط العنكبوت، بل بإرادة مجتمعٍ قرر أن يخرج من الظل إلى الضوء،وإختار الإصطفاف خلف قادة ثورة النضال.

ولنا عودة بإذن الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!