رأي

بين أمل التأسيس ومخاوف التكرار: هل يفتح المشروع الجديد باب الخلاص؟

عبد الناصر حمزة

 

عبدالناصر آدم حمزة

لا يكاد يختلف اثنان على أن التجربة السياسية السودانية، منذ فجر الاستقلال، اتسمت بقدرٍ كبير من الإخفاق في بناء دولة جامعة تُوحد وجدان السودانيين وتصوغ مشروعًا وطنيًا جامعًا يتجاوز الانقسامات التاريخية. تعاقبت أنظمة مدنية وعسكرية، رُفعت فيها شعارات متعددة، لكن النتيجة في المحصلة كانت واحدة: وطنٌ مثقل بالأزمات، ومجتمعٌ يتنازعه التشظي، وشعبٌ يبحث عن معنى الانتماء في دولة لم تُحسن إدارة تنوعه.

إن الأزمة لم تكن يومًا في غياب الشعارات، بل في غياب الإرادة الصادقة لإرساء قواعد المواطنة المتساوية. فقد ترسخت عبر العقود بنية طبقية غير معلنة، كرّست تفاوتًا في الحقوق والواجبات، وأنتجت شعورًا عميقًا بالغبن لدى قطاعات واسعة من السودانيين، خاصة في مناطق الهامش. وبدل أن يكون التنوع مصدر قوة وإثراء، تحوّل بفعل السياسات الخاطئة إلى بؤرة صراع دائم.

هذا الفشل البنيوي في معالجة جذور الأزمة التاريخية أفضى إلى تمكين فئات على حساب أخرى، وممارسة أشكال من الظلم الاجتماعي والسياسي في وطن كان يفترض أن يكون نموذجًا في إدارة التعدد الثقافي والإثني. ومع كل مرحلة سياسية، كانت الآمال تُعلّق على التغيير، لكن سرعان ما تتبدد أمام واقع المصالح الضيقة والصراعات على السلطة.

غير أن لحظة التحول الكبرى في وعي الشعب السوداني تجلّت حين طفح الكيل، وارتفعت أصوات تنادي بالكرامة والعدالة والعيش الكريم. لم تكن تلك المطالب ترفًا سياسيًا، بل حقوقًا أصيلة تشكّل أساس أي دولة حديثة. إلا أن هذه الحقوق ظلت رهينة تجاذبات سياسية، تُمنح حينًا وتُسحب حينًا آخر، وفقًا لموازين القوى لا لمبادئ الدستور.

في هذا السياق، برز مشروع «تأسيس» باعتباره محاولة لإعادة صياغة المعادلة الوطنية من جذورها، تحت قيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، وبما يحمله بحسب أنصاره من رؤية سياسية تسعى إلى جمع أطياف الهامش وإعادة الاعتبار للفئات التي ظلت خارج دائرة الفعل السياسي المؤثر. ويرى مؤيدو المشروع أن هذه التجربة قد تمثل فرصة تاريخية لمعالجة الاختلالات المتراكمة، وفتح صفحة جديدة في تاريخ الدولة السودانية.

غير أن الأمل وحده لا يكفي. فالتجارب السابقة علمتنا أن النوايا الحسنة لا تصنع تحولًا مستدامًا ما لم تُترجم إلى برامج واضحة، ومؤسسات راسخة، وممارسات شفافة. إن حكومة «تأسيس»، إن أرادت أن تكون فعلًا نقطة انعطاف حقيقية، مطالبة أولًا بالصدق مع الشعب، ذلك الشعب الذي سئم الخطاب المزدوج، وضاق ذرعًا بوعود لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

كما أن محاربة الفساد يجب أن تكون في صدارة الأولويات، لا كشعارٍ موسمي، بل كسياسة ممنهجة تُفكك شبكات المصالح التي تغلغلت في مفاصل الدولة عبر عقود. فالمفسدون الذين اعتادوا التلون مع تغير الأنظمة يشكلون خطرًا حقيقيًا على أي مشروع إصلاحي، وهم—في كثير من الأحيان—أشد تهديدًا لمسار التغيير من خصومه المعلنين.

ومن الضروري كذلك طرح برنامج سياسي متكامل وواضح المعالم، يُعرض على الجماهير بشفافية، ويُترجم إلى خطط قابلة للقياس والمساءلة. فالغموض في الرؤية يفتح الباب أمام التأويلات، ويضعف الثقة الشعبية، بينما الوضوح يعزز الالتفاف والدعم.

ولا يقل أهمية عن ذلك ترسيخ مبدأ القومية في هذا المشروع، بحيث يتجاوز الانتماءات الضيقة ويؤسس لوعاء وطني جامع. فالقضاء على إرث «السودان القديم» لا يعني استبدال هيمنة بأخرى، بل بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وتضع معيار الكفاءة والنزاهة فوق كل اعتبار قبلي أو جهوي. إن أي انزلاق نحو إعادة إنتاج الاصطفافات الضيقة سيقود حتمًا إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها، وإن اختلفت الشعارات.

إن الشعب السوداني اليوم يقف أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن ينجح مشروع «تأسيس» في أن يكون بداية حقيقية لدولة العدالة والمؤسسات، أو يتحول—لا قدر الله—إلى حلقة جديدة في سلسلة الإخفاقات، فيُضاف إلى سجل «دولة سبعة وخمسين» التي قامت بعد الاستقلال، لكن هذه المرة مع سبق الإصرار والترصد.

إن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق القائمين على هذا المشروع جسيمة، لأن خيبة الأمل القادمة—إن حدثت—لن تكون عادية، بل قد تعمق الإحباط وتُضعف ثقة الشعب في إمكانية الإصلاح من داخل الدولة نفسها.

ختامًا، إن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تُحمى بالعواطف وحدها، بل تُشيّد بإرادة سياسية صادقة، ومؤسسات عادلة، ومشاركة شعبية واعية. ولعل اللحظة الراهنة تمنح السودان فرصة نادرة لإعادة تعريف ذاته. فإما أن تُغتنم هذه الفرصة بحكمة وشجاعة، أو تضيع في دوامة الصراع والتجريب.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!