“الوطن العادل لا يُبنى بالصمت، ولا يستقيم بإقصاء شركائه.”
مجلس الشباب الناهض رئيس المجلس طروم المحترمين

مجلس الشباب الناهض رئيس المجلس طروم المحترمين
لا يكاد يخلو وجدان سوداني من حلم الدولة العادلة؛ تلك التي يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات، ويشعر فيها من عاشوا عتمة التهميش بأن الوطن يتسع لهم بقدر ما يتسع لغيرهم. غير أن الطريق إلى هذا الحلم لم يكن يومًا مفروشًا باليقين، بل بالتحديات والأسئلة، وأحيانًا بالخيبات التي تتسلل حين يغيب الوضوح وتضيق دوائر المشاركة.
لقد علمتنا تجارب الشعوب أن الثورات التي نجحت في تحرير أوطانها من الظلم والتخلف لم تعتمد على الحماسة وحدها، بل اتسمت بالشفافية، والورع الأخلاقي، والتعاون المشترك، وفسحت المجال للرأي الآخر والسؤال المشروع. كانت القيادة فيها تُصغي قبل أن تُجيب، وتتحمّل النقد باعتباره ركيزة للإصلاح لا تهديدًا للمسار.
أما في تجربتنا الراهنة، فقد برزت مفارقة مؤلمة: كلما ارتفع صوتٌ بالسؤال أو أبدى رأيًا مختلفًا، وُوجه بتوصيفات تُقصيه بدل أن تُحاوره. وهذه ليست سمة قوة، بل علامة خلل ينبغي التوقف عنده. فالثورة التي لا تتسع للأسئلة، تفقد تدريجيًا قدرتها على تصحيح مسارها.
ندرك أن تعقيدات المرحلة وتغلب الأزمنة المضطربة قد تفرض قيودًا على الإفصاح الكامل، وأن بعض الملفات قد لا تحتمل البوح العلني. لكن تحويل الضرورة إلى منهج دائم في حجب المعلومة يرسخ فجوة بين القيادة وقواعدها، ويغذي شعورًا بأن هناك من يُقصَد تجهيلهم لا حمايتهم. وهنا يكمن عمق الخطأ، لأن الثقة التي بُني عليها أي تحالف عريض لا تُصان إلا بالمكاشفة والتقدير المتبادل.
لقد انخرطنا في تحالف حسبناه عريضًا، مدفوعين بحسن النية والعزم على ألا يُهزم أو يتفرق. غير أننا فوجئنا في لحظات مفصلية بتوصيفات اختزلتنا في خانة “الداعمين”، وكأن مبادرتنا العلنية، ومواقفنا المعلنة بلا خوف أو مواربة، كانت مجرد هامش في مشروع كنا نعتقد أننا شركاء في صلبه.
إن المسيرة، بلا شك، متقدة، والثورة مستمرة بنا وبغيرنا. غير أن الخطأ حين لا يُراجع، يتحول إلى عبء على المسار. فهناك من يتكلم بدافع الحرص، وهناك من يتألم ويصمت. والصمت في أوقات التحول أخطر من المجاهرة بالنقد، لأنه يراكم الاحتقان تحت السطح ويؤجل الانفجار.
بعد عام من الانخراط والعمل، يظل سؤال التقييم مطروحًا: أين نحن من أهدافنا؟ ما الذي تحقق؟ وما الذي تعثر؟ إن ترديد عبارة “الأمور ماشـة كيف لا نعلم” مؤشر على حاجة ملحة لإعادة ترتيب الأولويات، وفتح قنوات تواصل أكثر فاعلية بين القيادة والقواعد.
ومن هذا المنطلق، تتجه رسالتي إلى السيد رئيس المجلس الرئاسي، الفريق أول محمد حمدان دقلو. لقد كنا شركاء في التأسيس، غير أن إقصاءنا بدوافع لا تخدم المشروع من بعض اللجان التي انحصرت داخل دوائر ضيقة، يزيد من وتيرة التساؤلات ويضعف صورة الشراكة التي بُني عليها المسار.
إن استبعاد الفاعلين الميدانيين لا يعزز الانضباط، بل يضاعف الشكوك. وإذا كان التنسيق الذي عهدناه قائمًا، فإن من واجب القيادة معالجة أي خلل عبر القنوات التي تثق بها، حفاظًا على وحدة الصف. أما إذا عُدّ الأمر هامشيًا، فالتاريخ يعلمنا أن عند الشدائد يلتقي الشجعان، وأن قوة المشروع تقاس بقدرته على احتواء شركائه لا بإبعادهم.
لسنا في موضع خصومة، بل في موقع حرص. والحرص يقتضي الصراحة، والصراحة لا تعني القطيعة. إن الوطن العادل الذي نحلم به لن يتشكل إلا عبر شراكة حقيقية، تُقدّر الجهد، وتستوعب الاختلاف، وتعيد الاعتبار لقيمة السؤال.
نمضي رغم الصعاب والمتاريس، لكننا نؤمن أن المسير الأجدى هو الذي تتضح فيه المعالم، وتتوزع فيه المسؤوليات بعدل، ويُصان فيه حق الشركاء في أن يكونوا جزءًا من القرار كما كانوا جزءًا من التأسيس.
ماضون رغم التحديات، إيمانًا بأن الإصلاح من الداخل أصدق من الصمت، وأبقى من المجاملة.




