رأي

حين تتحول المعلومة إلى ذخيرة: كيف يصنع الإعلام الحربي لجيش الحركة الإسلامية الاشتعال ويُعطّل السلام

هويدا سنادة

 

هويدا سنادة 

لم يعد الإعلام في الحروب الحديثة مجرد وسيط لنقل الوقائع، بل غدا ساحة قتال موازية، تُدار فيها المعارك على الوعي والإدراك قبل أن تُحسم في الميدان. وفي هذا السياق، يبرز الإعلام الحربي بوصفه أحد أخطر أدوات الصراع، إذ لا يكتفي بسرد الخبر، بل يعيد هندسته نفسيًا ولغويًا ليغدو أداة تعبئة وشحن، ومادة جاهزة للاشتعال السياسي والمجتمعي.

يعتمد الإعلام الحربي لجيش الحركة الإسلامية على تلاعب سيكولوجي منهجي، يحوّل الحدث العادي إلى شرارة توقد الغضب أو تُرسّخ الولاء. فالخبر لا يُقدَّم باعتباره معلومة قابلة للنقاش، بل يُصبغ بمعانٍ أخلاقية وقيمية تُحدِّد مسبقًا كيف يجب أن يشعر المتلقي، ومن ينبغي أن يؤيده، ومن يتعين عليه أن يعاديه. وفي هذا الإطار تُصنع صورة “البطل” عبر تضخيم انتصارات جزئية أو وهمية، وتقديمها في قالب إعجازي، مقابل “شيطنة” الطرف الآخر وتجريده من أي بعد إنساني، بما يحوّل مجرد التفكير في الحوار معه إلى خيانة، ويجعل المواجهة ضده واجبًا أخلاقيًا أو دينيًا.

وتلعب اللغة دورًا محوريًا في هذا المسار؛ إذ تُستبدل المفردات المحايدة بأخرى قتالية ومشحونة. فلا يُقال “انسحاب” بل “إعادة تمركز تكتيكي”، ولا تُذكر “خسائر” بل “تضحيات في سبيل النصر”. هذا التحوير اللغوي لا يغيّر الوقائع، لكنه يغيّر طريقة استقبالها، ويمنحها بعدًا تعبويًا يغلّف الفشل برداء البطولة. ومع التكرار المكثف للخبر ذاته، بزوايا وصيغ متعددة، تتكوّن لدى المتلقي قناعة زائفة تتحول إلى “حقيقة مطلقة”، وتُنتج حالة من التجييش الدائم، وهي الحالة التي برزت بوضوح في الشهور الأولى للحرب.

ولا يقتصر أثر هذا الإعلام على الداخل، بل يمتد ليشكّل عقبة مباشرة أمام جهود السلام. فعند كل اقتراب لمسار تفاوضي أو مبادرة تهدئة، ينشط الخطاب الإعلامي المرتبط بالحركة الإسلامية لتقويضها، عبر تصوير أي مسعى سلمي بوصفه استسلامًا أو مؤامرة تمنح “العدو” فرصة لإعادة ترتيب صفوفه. كما يجري تسليط الضوء انتقائيًا على خروقات منسوبة للطرف الآخر، لتكريس صورة عدم الجدية، ونقل رسالة للخارج بأن التسوية مستحيلة.

ويكتمل هذا الدور عبر منصات إقليمية ودولية تقدّم رواية ميدانية مشوّهة، تُروّج للحل العسكري بوصفه الخيار الوحيد، وتُضعف الثقة في أي مسار سياسي، مع إغراق الفضاء الإعلامي بسيل من الأخبار المتناقضة والمتسارعة، بما يجعل تمييز الحقيقة أمرًا بالغ الصعوبة على المراقبين والوسطاء الدوليين. هذا الالتباس المقصود يخدم، في نهاية المطاف، استمرار النزاع وإطالة أمده.

في المحصلة، فإن الإعلام الحربي، في جوهره، إدارة للوعي لا للخبر. وحين يقع في يد من يسعى لإدامة الحرب، يصبح قادرًا على خداع الجمهور، وتصوير السلام كتهديد وجودي، وتحويل المفاوضات إلى تهمة. وهكذا تُدار آلة الحرب ليس بالسلاح وحده، بل بالكلمة التي تُشعل، وتُضلّل، وتقتل فرص التلاقي قبل أن تولد.

هويدا سنادة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!