رأي

الهدنة التي تفضح مشروع الحرب 

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

في لحظة كان ينتظر فيها السودانيون بصيص أمل، جاءت الدعوة الأميركية إلى هدنة إنسانية فورية كاختبار أخلاقي قبل أن تكون مبادرة سياسية. الهدف كان واضحاً: وقف القتال ولو مؤقتاً، إيصال المساعدات، تخفيف المعاناة، وتهيئة الطريق لحوار ينقذ ما تبقى من الدولة المنهكة. لكن الرد القادم من سلطة بورتسودان لم يكن سوى تأكيد جديد على أن هناك من يرى في السلام خطراً أكبر من الحرب.

البيان الصادر عن وزارة خارجية سلطة بورتسودان حمل لغة رفض صريحة، بينما مضى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى تأكيد خيار الحسم العسكري حتى “النهاية”. هنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في التقدير العسكري، بل يصبح موقفاً سياسياً متكاملاً ينسجم مع رؤية جماعة الإسلام السياسي التي تمسك بمفاصل القرار داخل المؤسسة العسكرية. هذه الجماعة، وعلى رأسها البرهان، ترفض أي مسعى جاد لوقف الحرب، أو حتى تخفيف آثارها الإنسانية عبر هدنة مؤقتة تتيح انسياب المساعدات.

إن رفض هدنة إنسانية غير مشروطة، في ظل كارثة إنسانية تتفاقم يومياً، لا يمكن تفسيره إلا بوصفه موقفاً متعمداً لإطالة أمد الحرب. حين تُغلق الأبواب أمام شاحنات الغذاء والدواء، ويُصرّ على استمرار العمليات رغم الدعوات الدولية، فإن الرسالة تصبح واضحة: هناك من يختار استمرار المعاناة كوسيلة ضغط وكأداة سياسية. وهذا يعزز القناعة المتزايدة بأن الجيش، المختطف من قبل جماعة الإخوان المسلمين – الاسم الشعبي للحركة الإسلامية – لا يتحرك بمعزل عن أجندة أيديولوجية تسعى لإعادة تشكيل المشهد السياسي بالقوة.

لقد أكدت قيادات إسلامية بارزة في مناسبات سابقة انتماء البرهان للحركة الإسلامية، كما شغل مواقع تنفيذية رفيعة خلال عهد المؤتمر الوطني، ما ينسف الادعاءات المتكررة بعدم وجود نفوذ إسلامي داخل الجيش. إن هذا الترابط بين القيادة العسكرية والتيار الإسلاموي يفسر حالة التصلب الراهنة، ويضع الحرب في سياق أوسع: محاولة لإجهاض ثورة ديسمبر الباذخة التي أطاحت بحكم الحركة الإسلامية، والعودة إلى السلطة على جماجم ودماء السودانيين.

فالحرب، وفق هذا المنظور، ليست مجرد صراع عسكري، بل مشروع سياسي لإعادة إنتاج نظام سقط بثورة شعبية. وكل هدنة إنسانية، وكل مسار تفاوضي، يمثل تهديداً مباشراً لهذا المشروع لأنه يفتح الباب أمام تسوية سياسية قد تُفضي إلى تفكيك شبكات النفوذ والمساءلة عن الجرائم والانتهاكات. لذلك تُواجَه المبادرات الدولية بشروط تعجيزية عصية على التحقق، وتُطرح روايات تُحمِّل الآخرين مسؤولية استمرار القتال.

في المقابل، ظلّت قوات الدعم السريع تعلن – في بيانات متكررة – قبولها بالمبادرات الرامية إلى وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات. كما أكد تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) دعمه للمبادرة الرباعية، وتعاطيه الإيجابي مع كل جهد يهدف إلى رفع المعاناة عن كاهل المدنيين. قد يختلف السودانيون حول تقييم أدوار الأطراف المختلفة، لكن الفارق في الموقف من الهدنة الإنسانية يظل واضحاً: هناك من يرى في وقف الحرب مدخلاً لإنقاذ البلاد، وهناك من يراه تهديداً لمشروعه السياسي.

إن الإصرار على استمرار القتال، رغم التحذيرات الدولية وتصاعد أعداد الضحايا والنازحين، يعمّق السردية التي تقول إن هذه الحرب أشعلتها الحركة الإسلاموية لتصفية حسابها مع الثورة، لا لحماية الدولة كما تزعم. فالدولة لا تُحمى بتدمير مدنها ولا بإغلاق ممرات الإغاثة أمام مواطنيها. الدولة تُحمى حين تُقدَّم حياة الناس على حسابات السلطة، وحين يُفتح الطريق أمام انتقال مدني حقيقي يقطع مع الماضي.

السودان اليوم يقف أمام اختبار تاريخي: هل يُسمح لجماعة الإسلام السياسي، المتحصنة داخل الجيش، بأن تحدد مصير أمة بأكملها وفق أجندتها، أم يُنتصر لإرادة الشعب التي عبّرت عنها ثورة ديسمبر؟ إن الهدنة الإنسانية ليست تنازلاً، بل واجب أخلاقي. ومن يرفضها، يختار أن يسجل اسمه في خانة من فضّلوا الحرب على حياة شعوبهم.

التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى. وبين من يغلق أبواب السلام، ومن يفتحها، سيتحدد شكل السودان القادم.

وهنا ينطرح سؤال 

من يضع العراقيل أمام إنقاذ السودان؟؟؟؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!