أحجار “الإنقاذ” في محاكم “بورتسودان”: القضاء كأداة للإخضاع الممنهج وترميم سلطة التحالف الحاكم
اسماعيل هجانة

إسماعيل هجانة
في اللحظة التي تصبح فيها الدولة في مواجهة مفتوحة ضد المجتمع، وتعتمد العنف الممنهج كبديل للشرعية المفقودة؛ تظهر بوضوح أكثر أحكام الرجم السرية التي أصدرتها محاكم سلطة الأمر الواقع في بورتسودان كتعبير مكثف وحقيقي عن الأزمة البنيوية العميقة للدولة السودانية في نسختها “الإخوانية – الأمنية” المتحالفة. إن هذه الأحكام تتجاوز بمراحل توصيفها كـ “ردة حقوقية” عابرة في زمن الحرب. فمع تآكل شرعية الدولة وفقدانها احتكار العنف في مواجهة المليشيات، تلجأ السلطة المركزية (تحالف البرهان/الحركة الإسلامية) بشكل مباشر إلى ممارسة “عنف تعويضي” ضد الحلقة الأضعف في المجتمع: النساء المهمشات. إن هذه الأحكام هي تطبيق فعلي لـ “شريعة السلطة” التي تتخفى خلف ستار الشريعة، وتسعى عبر استدعاء أقصى درجات العقوبة البدنية، إلى إرسال رسائل سياسية مرعبة للداخل والخارج: للداخل بأن “الدولة العميقة” لا تزال تملك سوط التأديب، وللخارج بأن ضرورات بقاء النظام تعلو فوق أي حديث عن التزامات دولية.
1. البنية القانونية كأداة قمع طبقية وسياسية
تجب قراءة هذه الأحكام في سياق “الجينوم” القانوني الذي يحكم السودان منذ ثلاثة عقود. إن الاستناد إلى القانون الجنائي لعام 1991، هندسة الدكتور الترابي، يعيدنا إلى جوهر مشروع “الإنقاذ”. لقد صُمم هذا القانون أساساً كأداة ضبط اجتماعي وسياسي، لتمكين “القوة الإرثية المسيطرة على الثروة والسلطة” وحلفائها الأيديولوجيين (الإخوان المسلمون). إن المفارقة بين توقيع السودان على اتفاقية مناهضة التعذيب في 2021 (في لحظة صعود مدني مؤقت) وبين العودة لتطبيق أقصى درجات التعذيب المقنن (الرجم) في 2024، تكشف عن ثبات بنية الدولة العميقة، وخاصة مؤسستها القضائية، وعصيانها على التغيير. يعمل القضاء في هذا السياق كذراع تنفيذي لـ “جهاز الأمن والمخابرات الأيديولوجي”، وتتمثل مهمته في سد الفجوة بين ضعف السلطة السياسية وحاجتها لفرض الهيبة عبر الدم.
2. استهداف الحلقة الأضعف: إعادة إنتاج “قانون الوجوه الغريبة”
في تحليل سوسيولوجي أعمق، تعمل هذه القوانين وتطبيقاتها الانتقائية بنفس الآلية التاريخية لقوانين مثل “النظام العام” سيئ السمعة، أو الحملات الأمنية المعروفة بـ “الظواهر السالبة” أو “الوجوه الغريبة”. الغرض الأساسي المباشر هو “تقليم أظافر” الفئات الاجتماعية الهشة المفتقرة لظهير سياسي أو قبلي يحميها. بالنظر إلى حالتي (الحاج يوسف) و(الروصيرص)، نجد القاسم المشترك هو أن “الجلاد الحقيقي” (الأزواج) ينتمون للمؤسسة الأمنية/العسكرية، أي أنهم جزء أصيل من “عصب السلطة”. في المقابل، الضحايا هن نساء من هوامش المدن الاجتماعية والاقتصادية. هنا، تنحاز الدولة ومؤسساتها (الشرطة، النيابة، القضاء) تلقائياً لحليفها الطبقي والوظيفي (العسكري/الأمني) ضد المرأة المستضعفة. يتم استخدام التعذيب الممنهج لانتزاع الاعترافات بهدف تثبيت رواية “السلطة الذكورية والأمنية” بدلاً من الوصول للحقيقة. في قضية الروصيرص، يُعد إعادة فتح ملف قُضي فيه بالجلد سابقاً (لتجنب الإحراج الدولي أيام الثورة) وتحويله إلى إعدام رجماً الآن (في زمن حرب البرهان)، دليلاً صارخاً على أن الأحكام القضائية هي انعكاس مباشر لميزان القوة السياسية، بعيداً عن معايير العدالة.
3. سيكولوجية القهر: تعميق “الانكسار النفسي” والإخضاع الممنهج
يكشف الإصرار على عقوبة “الرجم” تحديداً، وهي العقوبة الأكثر وحشية ومشهدية في التراث الفقهي، عن هدف أعمق يتجاوز الضحيتين المباشرتين؛ إنه يستهدف بشكل مباشر “الوعي الجمعي” للمجتمع السوداني، وبخاصة النساء والقوى الاجتماعية الصاعدة التي قاومت نظام البشير. تسعى السلطة المتحالفة (عسكر/إخوان) إلى تحقيق “صدمة وترويع” مجتمعي. إن العودة الصريحة إلى هذه الممارسات في زمن الفوضى تهدف إلى:
* تعميق حالة الانكسار النفسي: إشعار المجتمع بالعجز التام أمام جبروت آلة الدولة القمعية، حتى وهي في أضعف حالاتها.
* تعزيز التبعية: ترسيخ فكرة أن النجاة تكمن فقط في الخضوع التام لقيم ورؤى النخبة المسيطرة، وأن أي خروج عن “بيت الطاعة” السياسي أو الاجتماعي سيُواجه بأقصى درجات العنف.
* عمليات الإخضاع الممنهجة: استخدام جسد المرأة كساحة معركة لإعادة رسم حدود المسموح والممنوع، ولإثبات أن مشروع “أسلمة المجتمع” بالقوة لا يزال قائماً وفاعلاً كأداة رئيسية للسيطرة السياسية.
خاتمة:
يركز الاهتمام الدولي بهذه القضايا غالباً على الجانب الحقوقي الإجرائي، متجاوزاً الجانب البنيوي السياسي الأعمق. إن أحكام الرجم في سودان اليوم تمثل عرضاً لمرض عضال في بنية الدولة، يتعدى كونه مجرد انتهاك لاتفاقية دولية. هذه الدولة تحافظ على بقائها عبر “التغذّي” على دماء وحريات مواطنيها الأضعف، مستخدمة المقدس لخدمة المدنس السياسي، وموظفة القضاء كآخر حصون الاستبداد.
اسماعيل هجانة




