
مؤيد الأمين
الحرب لم تعد مجرد صراع مسلح بين قوى متنافسة، بل ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية على حساب الدم السوداني. كل من اصطف في هذه الحرب خسر شيئاً عزيزاً؛ أرضاً، أو أهلاً، أو سمعة، أو مستقبلاً. ويأتي مقتل نجل موسى هلال، وسط معارك محتدمة في كبكابية، ليجسد هذه الحقيقة القاسية، في وقت ما تزال فيه بعض التفاصيل محل تضارب في الأخبار.
موسى هلال، الذي برز اسمه منذ سنوات في دارفور، دخل في صراعات معقدة مع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد قوات الدعم السريع. العلاقة بين الرجلين لم تكن ثابتة، بل تحكمها التحالفات المرحلية والتوازنات القبلية والسياسية. وقد سبق أن انقلب ميزان القوة بينهما، ما دفع هلال إلى مغادرة السودان لفترة. واليوم يعود اسمه إلى الواجهة في مشهد يعكس هشاشة التحالفات التي تُبنى على الطموح الفردي لا على مشروع وطني جامع.
اللافت في هذه الجولة ليس فقط المواجهة العسكرية، بل السياق الإعلامي الذي أحاط بها. فالتصعيد اللفظي، والتصريحات المتكررة، والتهديدات المتبادلة، كلها صنعت بيئة قابلة للاشتعال. وعندما تشتعل الأرض، لا تحترق البيانات بل البشر. دخول قوات الدعم السريع إلى كبكابية لم يكن حدثاً معزولاً، بل نتيجة تراكمات سياسية وإعلامية غذّت المواجهة بدل أن تحتويها، وكانت النتيجة خسائر بشرية موجعة، في مقدمتها نجل هلال.
في هذا المناخ، يظهر دور التيار الإسلامي السياسي بوضوح. منذ اندلاع الحرب، سعى الإسلاميون إلى إعادة تموضعهم عبر الاستثمار في الفوضى. أدواتهم معروفة: تضخيم إعلامي، خلق روايات تعبّئ العاطفة، ومحاولة تصوير كل معركة كأنها معركة مصير. ما حدث في مناطق سابقة يوضح كيف يتم توظيف المأساة لإنتاج ضوضاء سياسية تحقق مكاسب آنية، دون اكتراث بالكلفة الإنسانية.
التحليل الموضوعي يشير إلى أن هذه الاستراتيجية تقوم على مبدأ بسيط: كلما طال أمد الحرب، زادت فرص إعادة إنتاج النفوذ. لذلك لا تبدو الأولوية لديهم وقف النزاع أو حماية المدنيين، بل إدارة الصراع بما يخدم هدفاً واحداً هو استعادة السلطة. هذا ما يفسر اندفاع بعض القيادات المحلية أو القبلية إلى مواجهات غير محسوبة، مدفوعة بوعود أو أوهام دعم سياسي لن يتحقق على الأرض.
المحصلة دائماً واحدة: أرواح تُفقد، وقرى تُدمّر، ونسيج اجتماعي يتشقق. وسائل التواصل تمتلئ بالصور والانتهاكات، ثم تتبعها بيانات الإدانة والمقالات الساخنة. لكن أياً من ذلك لا يضمد جرحاً ولا يعيد قتيلاً إلى أسرته. مقتل نجل موسى هلال ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة طويلة من الخسارات التي يدفع ثمنها المجتمع بأكمله.
منطق الدولة يقتضي إدارة الخلاف عبر مؤسسات وقوانين، لا عبر السلاح والتعبئة القبلية. ومنطق المسؤولية يفرض على أي تيار سياسي أن يضع سلامة المجتمع فوق طموحه. أما حين تُختزل السياسة في سباق نحو السلطة، فإن كل الوسائل تصبح مباحة، بما في ذلك التضحية بالأبناء قبل الآباء.
ما يجري اليوم يؤكد أن الرهان على الحرب طريق مسدود. لا موسى هلال سيخرج رابحاً من هذه الخسارة، ولا خصومه سيحققون استقراراً دائماً عبر الحسم العسكري. الخاسر الأكبر هو السودان نفسه. وأي مشروع سياسي لا يبدأ بوقف النزيف ورفض استغلال الدم لتحقيق مكسب حزبي، هو مشروع يكرر المأساة لا ينهيها.
إن فضح هذا المنهج ليس موقفاً عاطفياً، بل ضرورة أخلاقية وعقلانية. فالدولة لا تُبنى على الضوضاء الإعلامية ولا على تعبئة الغضب، بل على السلام، والعدالة، ومحاسبة من يوظفون الحرب سلّماً إلى السلطة.




