
نجم الدين دريسة
حين تصبح الحرب وسيلة للبقاء في السلطة، يغدو السلام أخطر من الهزيمة.
تبدو مبادئ “الرباعية الدولية” لوقف الحرب في السودان، في ظاهرها، فرصة نادرة لالتقاط أنفاس وطن أنهكته أكثر من ألف يوم من القتال والانهيار الإنساني. هدنة إنسانية فورية، وقف دائم لإطلاق النار، عملية انتقال سياسي مدنية، وخطة لإعادة الإعمار؛ هي عناصر منطقية في أي تسوية معقولة. غير أن جوهر الأزمة لا يكمن في صياغة البنود، بل في الإرادة السياسية لتنفيذها.
أكبر تحدٍ يواجه الهدنة ليس تعقيد الترتيبات الأمنية، بل تعنّت الجيش الإسلاموي الذي تحركه قيادات معروفة بموقفها من الحرب، وهي ذات العناصر التي ارتبط اسمها بإشعال الصراع وتغذيته. بالنسبة لهذه الدوائر، لا يُنظر إلى الهدنة بوصفها خطوة إنسانية عاجلة، بل كمدخل محتمل لإعادة تشكيل المشهد السياسي بصورة تُخرجها من مركز القرار. وهنا تتحول المبادرة من فرصة إنقاذ وطني إلى تهديد مباشر لمشروع سياسي تأسس على عسكرة المجال العام وإقصاء المدنيين.
إن قبول هدنة تُفضي إلى انتقال مدني شامل يعني عملياً تقليص نفوذ القيادة العسكرية ذات الخلفية الإسلاموية، وفتح الباب أمام مساءلة سياسية وربما قانونية. لذلك، فإن وضع شروط عصية التحقق — تحت عناوين السيادة أو الضمانات المسبقة — يبدو أقرب إلى استراتيجية تعطيل منه إلى تفاوض حسن النية. فكلما طال أمد الحرب، بقيت حالة الطوارئ السياسية قائمة، وبقيت مبررات احتكار القرار حاضرة.
المعضلة هنا بنيوية وليست ظرفية. فالحرب بالنسبة لبعض مراكز النفوذ لم تعد مجرد صراع مسلح، بل أداة لإعادة تثبيت الهيمنة بعد أن تراجعت في لحظات سابقة أمام ضغط الشارع المدني. ومن هذا المنظور، يصبح السلام مخاطرة غير محسوبة، لأنه يعيد توزيع السلطة ويفتح المجال العام أمام قوى مدنية طالبت بدولة مختلفة في بنيتها ووظيفتها.
هذا الواقع يضع “الرباعية الدولية”، وخاصة الولايات المتحدة، أمام اختبار يتجاوز حدود الوساطة التقليدية. فإذا فشلت الهدنة تحت وطأة الشروط التعجيزية، فإن السؤال لن يكون عن أسباب الفشل فحسب، بل عن الآليات البديلة. هل ستُحمَّل الأطراف المعرقلة مسؤولية واضحة ومعلنة؟ هل ستُستخدم أدوات ضغط فعالة تربط أي دعم سياسي أو اقتصادي بالالتزام بخارطة الطريق؟ أم ستتحول المبادئ إلى وثيقة أخرى تُضاف إلى أرشيف المحاولات غير المكتملة؟
لا يمكن لأي مبادرة أن تنجح إذا لم تُسنَد بإرادة دولية حازمة تقرن القول بالفعل. فالسلام ليس نصاً يُوقَّع، بل ميزان قوى يُعاد تشكيله. وإذا كانت الحرب تُدار بعقلية ترى في استمرارها ضمانة للبقاء، فإن كلفة تعطيل السلام يجب أن تكون أعلى من كلفة قبوله.
السودان اليوم يقف عند مفترق تاريخي. إما أن تتحول المبادرة إلى بداية مسار مدني حقيقي ينهي دورة العنف ويؤسس لدولة عادلة، أو أن تتحطم على صخرة التعنّت الأيديولوجي، فتدخل البلاد مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة. وفي هذا الاختبار، لن يكون معيار النجاح جمال البنود، بل شجاعة التنفيذ، ووضوح الموقف من كل من يختار الحرب طريقاً دائماً للسلطة.




