مبادئ الرباعية بين أمل إنهاء الحرب وشبح التعطيل: هل تتحطم الهدنة أمام تعنّت الجيش الإسلاموي الذي تحرّكه قيادات أشعلت الصراع وتغذّيه؟
تقرير: صحيفة التنوير

التنوير: تقرير
مبادرة على حافة اختبار تاريخي
مع إعلان واشنطن عن مبادئ “الرباعية الدولية” لوقف الحرب في السودان، بدا وكأن نافذة ضيقة قد فُتحت في جدار الأزمة السميك. المبادئ التي صيغت بعد مشاورات مع أطراف إقليمية فاعلة واجتماعات مباشرة مع ممثلين عن طرفي القتال، تطرح مساراً متدرجاً يبدأ بهدنة إنسانية عاجلة، ويمضي نحو وقف دائم لإطلاق النار، وصولاً إلى عملية انتقال سياسي مدنية وخطة لإعادة الإعمار.
غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه هذه المبادرة لا يكمن في صياغتها أو دعمها الدولي، بل في البيئة السياسية التي يفترض أن تُنفّذ فيها. فالتعقيد لا يرتبط فقط بتباين الرؤى بين القوى المتحاربة، وإنما بطبيعة مراكز القرار داخل أحد أطراف الصراع، حيث يرى مراقبون أن الجيش الإسلاموي، الذي تتحكم في مفاصله قيادات مرتبطة بالحركة الإسلامية، لا يتعامل مع الهدنة باعتبارها مدخلاً لإنهاء الحرب، بل باعتبارها تهديداً مباشراً لمستقبله السياسي.
في هذا السياق، يصبح السؤال المركزي: هل تقف الهدنة أمام عقبة تقنية يمكن تجاوزها، أم أمام تعنّت بنيوي متجذّر في حسابات أيديولوجية ترى في استمرار الحرب ضمانة للبقاء؟
ملامح المبادرة الرباعية… من الإغاثة إلى الانتقال المدني
المبادئ التي أعلنتها الولايات المتحدة بالتنسيق مع السعودية ومصر والإمارات ترتكز على خمسة محاور واضحة:
1. هدنة إنسانية فورية لوقف العمليات القتالية وفتح ممرات آمنة.
2. ضمان وصول المساعدات بصورة مستدامة مع ترتيبات لحماية المدنيين
3. وقف دائم لإطلاق النار يتضمن ترتيبات أمنية موثوقة بين الطرفين
4. عملية انتقال سياسي شاملة بقيادة مدنية تضم جميع الأطراف السودانية.
5. خطة طويلة الأمد للتعافي وإعادة الإعمار.
تبدو هذه المحاور، في ظاهرها، متسقة مع التجارب الدولية في إدارة النزاعات المسلحة. فهي تبدأ بتخفيف المعاناة الإنسانية، ثم تنتقل إلى تثبيت أمني، فإلى تسوية سياسية، وأخيراً إلى إعادة بناء الدولة.
لكن نجاح أي مبادرة لا يُقاس بسلامة هندستها النظرية، بل بمدى استعداد الأطراف لقبول منطقها وتسلسلها. وهنا تبدأ المعضلة.
الهدنة كتهديد سياسي… لماذا يخشاها الجيش الإسلاموي؟
يرى قطاع واسع من المحللين أن إنهاء الحرب لا يعني فقط توقف إطلاق النار، بل يعني عملياً إعادة ترتيب المشهد السياسي. وأي انتقال مدني شامل، كما تنص المبادرة، سيقود بالضرورة إلى تقليص دور القيادات العسكرية في الحكم، وربما إلى إخراجها من المشهد السياسي تماماً.
بالنسبة لقائد الجيش المختطف من جماعة الإخوان المسلمين عبد الفتاح البرهان، فإن قبول هدنة تُفضي إلى مسار مدني قد يفتح الباب أمام مساءلة سياسية وربما قانونية، ويضع حداً لمرحلة هيمنت فيها المؤسسة العسكرية ذات التوجه الإسلاموي على مفاصل الدولة.
من هذا المنظور، تتحول الهدنة من فرصة إنقاذ وطني إلى تهديد وجودي. فالسلام، في هذه القراءة، ليس حيادياً؛ إنه يعيد توزيع السلطة.
الشروط التعجيزية… تكتيك تفاوضي أم استراتيجية تعطيل؟
الردود الصادرة عن الجهات الرسمية المرتبطة بالجيش حملت نبرة تحفظ واضحة، مقرونة بتأكيدات على “السيادة” و”المصالح العليا”. غير أن ما يصفه مراقبون بالشروط التعجيزية مثل اشتراط ترتيبات أمنية أحادية، أو تقديم ضمانات سياسية مسبقة قبل وقف إطلاق النار يُنظر إليه باعتباره مؤشراً على عدم رغبة فعلية في إنجاح الهدنة.
في النزاعات المسلحة، كثيراً ما تُستخدم الشروط المسبقة كأداة تفاوض. لكن الفارق بين التكتيك والمماطلة يتحدد بمدى واقعية تلك الشروط. وإذا كانت المطالب تفوق قدرة الطرف الآخر على القبول أو التنفيذ، فإنها تتحول إلى عراقيل مقصودة.
من أشعل الحرب… ومن يغذّي استمرارها؟
ثمة سردية متزايدة في الأوساط السياسية ترى أن القيادات الإسلاموية التي استعادت نفوذها داخل الجيش بعد انقلاب 2021، هي ذاتها التي دفعت باتجاه عسكرة الصراع، واعتبرت المواجهة وسيلة لإعادة تثبيت هيمنتها.
وبغض النظر عن اختلاف الروايات حول لحظة الانفجار الأولى، فإن استمرار الحرب وتوسّع رقعتها يصبّ في مصلحة قوى لا ترى في الاستقرار المدني خياراً مناسباً لمشروعها السياسي. فالحرب تخلق حالة طوارئ دائمة، وتبرر احتكار القرار، وتُضعف القوى المدنية.
الرباعية أمام اختبار الإرادة… ماذا لو فشلت الهدنة؟
إذا تعثرت الهدنة أمام إصرار الجيش الإسلاموي على شروطه، فإن المبادرة الرباعية وخاصة الولايات المتحدة ستجد نفسها أمام اختبار حاسم. فالسؤال لن يكون: لماذا فشلت المبادرة؟ بل: ما البديل؟
هل ستكتفي الرباعية بإصدار بيانات إدانة؟
هل ستلجأ إلى أدوات ضغط أشد صرامة، كالعقوبات الموجهة أو العزلة الدبلوماسية؟
أم ستبحث عن مسارات موازية تتجاوز القيادة العسكرية الحالية؟
التاريخ القريب للنزاعات في المنطقة يوضح أن المبادرات التي لا تُسنَد بآليات تنفيذ وضغط حقيقية تتحول إلى وثائق أرشيفية. وبالتالي، فإن نجاح المبادرة لا يعتمد فقط على حسن نواياها، بل على استعداد رعاتها لاستخدام أدوات النفوذ المتاحة لديهم
بين السؤال والإجراء… الحاجة إلى خطوات عملية
إن السؤال حول الآليات البديلة ليس نظرياً. فإذا تحطمت الهدنة، فإن الأزمة الإنسانية ستتفاقم، وستتسع رقعة الانهيار الاقتصادي، وقد تدخل البلاد مرحلة تفكك مؤسسي أخطر.
المطلوب، وفق كثير من الخبراء، ليس مجرد إجابات خطابية، بل خطة عمل واضحة تشمل:
تحديد مسؤولية معرقلي الهدنة بصورة علنية.
ربط أي دعم دولي مستقبلي بالالتزام بخارطة الطريق.
توسيع دائرة المشاورات لتشمل قوى مدنية ومجتمعية أوسع.
تعزيز آليات مراقبة مستقلة لأي وقف إطلاق نار محتمل.
هذه الخطوات لا تستهدف التصعيد، بل تهدف إلى خلق تكلفة سياسية حقيقية لرفض السلام.
مستقبل السودان بين خيارين
المشهد الراهن يضع السودان أمام مفترق طرق حاسم. إما أن تُستثمر المبادرة الرباعية كمدخل لإنهاء الحرب وإطلاق انتقال مدني حقيقي، أو أن تُجهض بفعل تعنّت قوى ترى في استمرار الصراع ضمانة لبقائها.
أكبر تحدٍ يواجه الهدنة ليس تعقيد البنود، بل ذهنية تعتبر الحرب أداة سياسية. وإذا لم تُواجه هذه الذهنية بإرادة داخلية صلبة وضغط دولي منظم، فإن أي مبادرة ستظل رهينة لموازين قوة مختلّة.
اختبار الإرادة قبل اختبار البنود
الهدنة المقترحة ليست مجرد اتفاق تقني، بل اختبار لإرادة الأطراف. فإذا أصرّت جماعة الهوس الديني المتطرفة داخل الجيش على وضع عراقيل تحول دون تنفيذها، فإن الكرة ستنتقل إلى ملعب الرباعية الدولية.
هناك لحظات في تاريخ الأمم لا يكفي فيها السؤال عن البدائل، بل يجب الانتقال إلى صناعة البديل. والسودان اليوم يقف عند واحدة من تلك اللحظات، حيث يتحدد مستقبله بين خيار السلام الشامل، أو استمرار حرب تُدار بعقلية ترى في إنهائها نهاية لمشروعها السياسي.
والسؤال المفتوح أمام المجتمع الدولي ليس إن كان السلام ممكناً، بل ما الذي سيفعله إذا أُفشل عمداً.




