رأي

هل ينجح المبعوث الأممي الجديد ( بيكا هافيستو ) في السودان ؟

مها طبيق

 

مها طبيق 

تعيين بيكا هافستو مبعوثًا أمميًا إلى السودان يمثل رهانًا سياسيًا على مدرسة كاملة في إدارة النزاعات . هافستو ينتمي إلى المدرسة الاسكندنافية التي تقوم على التفاوض الهادئ ، وبناء الثقة ، والعمل التراكمي طويل النفس . غير أن السودان بتعقيداته المتداخلة ، الوطنية والإقليمية والدولية يحتاج اليوم إلي قدرة فعلية على التأثير .

هافستو يعرف السودان جيدًا حينما تعامل مع ملف دارفور في مرحلة كانت فيها الخرطوم تحت ضغط دولي مكثف ، واطلع على تعقيدات العلاقة بين المركز والهامش ، وعلى حساسية الخطاب السيادي للنخب الحاكمة . هذه الخبرة تمنحه أفضلية أولية في فهم بنية التفاوض السوداني ، وفهم الفجوة المزمنة بين الخطاب العلني وما يجري في الغرف المغلقة . لكن المعرفة السابقة ليست ضمانًا للنجاح حيث أن دارفور كانت أزمة داخل دولة قائمة . أما اليوم ، فالسودان يعيش صراعًا على احتكار الدولة نفسها . في دارفور كان النزاع بين حكومة وحركات مسلحة على أطراف الدولة .

اليوم يتموضع الصراع داخل مركز السلطة ذاته ، مؤسسات عسكرية تتنازع الشرعية ، واقتصاد حرب يعيد إنتاج نفسه ،وقوى مدنية منقسمة ومهمشة ، ورعاة إقليميون يتحركون بمنطق المصالح .

الرهان الحقيقي يكمن في أدوات الضغط ويعتمد على طبيعة التفويض الذي يحمله هافيستو ، لأن التجربة أثبتت أن أي مبعوث يعمل في السودان من دون أدوات ضغط واضحة تتمثل في عقوبات ذكية ، وتنسيق دولي موحد ، وربط التمويل الإنساني بمسار سياسي ، سيتحول إلى مجرد مدير أزمة ولا يقدم حل . لأن الدبلوماسية الناعمة تنجح حين تستند إلى قوة صلبة في الخلفية ، ومن دون هذه الاداة ، تصبح الوساطة تمرينًا أخلاقيًا في بيئة تحكمها حسابات القوة .

ميزة الرجل هي البراغماتية الباردة فهافستو لا يُعرف بالخطاب الاستعراضي ، ولكن بأسلوبه العملي الهادئ يمكنه أن يحدث اختراق . في السياق السوداني ، قد تكون هذه المقاربة مناسبة لمرحلة أولى هدفها تثبيت هدنات قابلة للرقابة ، وفتح ممرات إنسانية مستقرة ، وتقليص مساحات سوء الفهم بين الأطراف . غير أن الانتقال من إدارة النار إلى إطفائها يتطلب أكثر من مهارة تفاوضية ، ويتطلب إرادة دولية موحدة .

أما التحدي الأكبر فهو اقتصاد الحرب لأن الصراع في السودان تحول إلى منظومة مصالح اقتصادية تتمثل في الذهب ، وطرق الإمداد ، وشبكات التهريب ، والسيطرة على الموارد . هذه العوامل تجعل استمرار الحرب خيارًا مربحًا لبعض الفاعلين . وإن أي استراتيجية لا تتضمن تفكيك هذه المنظومة ستنتج تسويات شكلية قابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني .

السيناريو الواقعي يتمثل في نجاح محدود لتخفيف التصعيد ، لا اتفاق شامل سريع . أما السيناريو الطموح فيتطلب ثلاثة شروط وهي توحيد المسار الدولي حول منصة تفاوض واحدة . وفرض وسائل ضغط حقيقية على دعاة استمرار القتال . وإدماج القوى المدنية ضمن معادلة توازن واقعية لا رمزية . من دون هذه العناصر ، ستظل المهمة تدور في حلقة إدارة الأزمة .

بيكا هافستو هو أداة ضمن منظومة دولية أوسع ،فٱذا مُنح التفويض والدعم والغطاء السياسي الكافي ، يمكن أن يصبح منسقًا فعالًا لمسار تفاوضي منظم . أما إذا تُرك يعمل بدبلوماسية بيانات في ساحة تحكمها القوة ، فسيُضاف اسمه إلى قائمة مبعوثين حاولوا احتواء العاصفة دون تغيير اتجاهها . السودان اليوم يحتاج إلي وسيطًا يدرك أن معركة السلام لا تبدأ على طاولة التفاوض ، بل في إعادة تعريف ميزان القوى الذي يسبقها .

مها الهادي طبيق

25 فبراير 2026

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!