رأي

بيان بورتسودان… الذاكرة المثقوبة تتحدث باسم الدولة

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد تاج الدين الحلو 

بيان وزارة خارجية بورتسودان الأخير لا يمكن فصله عن السياق الطويل للأزمة السودانية، ولا عن سجلٍ مثقل بالحروب والانتهاكات التي ظلت تتكرر منذ الاستقلال. الاعتراض على استقبال الفريق محمد حمدان دقلو وأعضاء المجلس الرئاسي، وتقديم الأمر بوصفه موقفًا قانونيًا وسياسيًا حاسمًا، يفتح بابًا واسعًا للسؤال: لماذا تُستدعى بعض الوقائع ويُتجاوز تاريخ كامل من المآسي التي عاشها السودانيون؟

الحرب الأهلية في جنوب السودان استمرت عقودًا، وخلّفت ملايين الضحايا بين قتيل ونازح، قبل أن تنتهي بانفصال الدولة بعد كلفة إنسانية هائلة. وفي دارفور، سقط مئات الآلاف من القتلى وشُرّد الملايين وفق تقارير دولية واعترافات رسمية سابقة. تلك الأرقام ليست مادة للجدل السياسي، بل حقائق دامغة ما زالت آثارها حاضرة في معسكرات النزوح وفي ذاكرة أسرٍ فقدت أبناءها ولم تنل إنصافًا.

ورغم ضخامة تلك المآسي، ظل عدد من رموز المرحلة السابقة جزءًا من المشهد العام أو محاطين بحماية مؤسساتية، بينما يكافح المواطن البسيط للحصول على علاج أو خدمة أساسية في مستشفى حكومي. هذا التناقض يعمّق فجوة الثقة بين الدولة ومواطنيها، ويغذي الإحساس بأن العدالة تُطبَّق بمعايير متغيرة لا ثابتة.

الملفات المرتبطة بقصف مناطق مدنية في الجزيرة والخرطوم والدالي والمزموم ودارفور وكردفان والنيل الأزرق، أو بما جرى في معابر أديكون وطره وأم رسوم، تمثل قضايا خطيرة لا يمكن حسمها ببيانات متبادلة أو خطابات سياسية. مثل هذه الاتهامات تستدعي تحقيقات مستقلة وشفافة، ومؤسسات قضائية قادرة على العمل دون ضغوط أو انتقائية. العدالة لا تُدار عبر المنابر الإعلامية، بل عبر آليات قانونية واضحة تضع المسؤوليات في إطارها الصحيح.

أما في ما يتعلق بالعلاقات مع يوغندا، فإن السياسة الخارجية تقوم على مبدأ سيادة الدول واستقلال قراراتها. من حق أي دولة أن تعبّر عن تحفظاتها، لكن تحويل الخلافات الدبلوماسية إلى حملات خطابية لا يعالج جذور الأزمة الداخلية، بل يضيف طبقة جديدة من الاحتقان إلى مشهد مضطرب أصلًا.

جوهر الأزمة السودانية يتمثل في غياب مسار جاد وشامل للعدالة الانتقالية. الحديث عن تسليم مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية أو إنهاء الإفلات من العقاب ظل مطلبًا متكررًا في النقاش العام، لأنه يمثل خطوة أساسية لكسر حلقة العنف المتوارث. دون معالجة حقيقية لجرائم الماضي، سيبقى الحاضر أسيرًا لها، وستظل البيانات السياسية تعيد تدوير الجراح بدل تضميدها.

السودانيون لا يحتاجون إلى تصعيد لفظي بقدر ما يحتاجون إلى دولة تطبّق القانون بمعيار واحد، وتفتح كل الملفات بلا انتقائية. وحدها العدالة المتكاملة قادرة على إعادة الثقة وبناء أساس مستقر للمستقبل. أما الاستمرار في إدارة الصراع عبر البيانات، فلن ينتج سوى مزيد من الانقسام في وطن أنهكته الحروب وتراكمات الذاكرة المثقوبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!